وتحول الوداع الأخير لـ«صوت المغرب الشجي» إلى لحظة وفاء نادرة، اجتمعت فيها النخب السياسية والوجوه الفنية البارزة بجموع المواطنين الذين توافدوا من مختلف الأحياء، في مشهد إنساني يعكس المكانة الرفيعة التي احتلها الراحل في قلوب المغاربة بجميع فئاتهم، باعتباره رمزا وطنيا وحد الوجدان المغربي على مدى خمسة عقود من الإبداع.
وانطلقت مراسيم التشييع من مسجد «النور» بحي بوسيجور، حيث أديت صلاة الجنازة على جثمان الفقيد بعد صلاة العصر، قبل أن يشيع إلى مثواه الأخير بحضور حشد غفير من المواطنين والوجوه الفنية والسياسية التي أبت إلا أن تشارك في وداع صوت طبع ذاكرة الأجيال.
وعرفت الجنازة حضورا وازنا لشخصيات بارزة، يتقدمهم رفيق دربه الفنان عبد الوهاب الدكالي، ورئيس الحكومة السابق عبد الإله بنكيران، وهرم مجموعة «ناس الغيوان» عمر السيد، إلى جانب كوكبة من المبدعين وأفراد عائلة الفقيد.
وعكست الوجوه المتأثرة حجم الرزء الذي ألم بالساحة الثقافية الوطنية برحيل فنان شكل مدرسة قائمة بذاتها في التجديد الغنائي والالتزام الأصيل، والذي وافته المنية إثر وعكة صحية ألمت به مؤخرا.
وفي شهادات مؤثرة من المقبرة، أجمع رفاق الراحل على تفرده الإنساني؛ إذ اعتبر الملحن مولاي أحمد العلوي أن الحضور الجماهيري التلقائي هو أصدق دليل على أن الراحل كان «مرضي الواليدين» وطيب العلاقة مع الجميع.
وفي كلمة مؤثرة عبّر الفنان حاتم إدار عن حزنه من فقدان هرم الأغنية المغربية، عاملاً على احترام قرار اعتزاله وصمته وابتعاده من الساحة الفنية الغنائية، مشيراً إلى قيمة الرجل والتجربة الغنائية التي راكمها من خلال ألبومات غنائية ذات أثر كبير في التجربة الغنائية المغربية.
ويرى إدار أنّ حجم المحبة «نلمسه من خلال الحضور الكثيف لجمهوره خلال جنازته" ما يعني أننا أمام فنان ن العيار الثقيل ممن جعلوا من الغنا رمزاً للمحبة والالتزام.
وفي تجسيد للعناية السامية التي يوليها الملك محمد السادس لرموز الفن والثقافة، بعث جلالته ببرقية تعزية ومواساة إلى أفراد أسرة الراحل، أكد فيها أن هذا المصاب يمثل «خسارة فادحة ليس لأسرتكم فحسب، وإنما لسائر أسرته الفنية الوطنية والعربية، ولكل الأجيال التي استمتعت ولازالت تستمتع بما أبدعه من روائع طربية ستظل خالدة في وجدان وذاكرة محبيه وعشاق الطرب المغربي الأصيل». كما وصف الملك الفقيد بأنه «رزء المغرب في أحد أبنائه البررة المبدعين، وقامة فنية وطنية يعز مثيلها، أثرى الخزانة الغنائية المغربية والعربية لما يزيد عن خمسة عقود بأعمال رائدة ومتميزة».
وبفقدان ابن مدينة فاس (مواليد 1940)، يطوي المغرب صفحة ذهبية من تاريخه الفني، مخلفا إرثا سيظل شاهدا على تجربة إبداعية استثنائية امتدت لعقود من العطاء.




