وحسب المعطيات الرسمية، باتت الأسر النووية تمثل حوالي 73 في المائة من مجموع الأسر المغربية، مقابل 60.8 في المائة سنة 1995، الأمر الذي يظهر تحولا كبيرا في بنية العائلة وأنماط العيش الذي لم يعد يقتصر على الوسط الحضري فقط، بل امتد ليشمل العالم القروي أيضا، في مؤشر على تغير شامل في التوازنات الاجتماعية.
قد تبدو هذه الدينامية في ظاهرها تعبيرا عن رغبة مشروعة في الاستقلالية، إلا أنها تحمل في طياتها تحولات أعمق على مستوى القيم والعلاقات داخل المجتمع، حسب ما يؤكده الباحث في علم النفس الاجتماعي، محسن بنزاكور، في تصريح لـ Le360، حيث يرى أن آثار هذا التحول بدأت بالفعل في الظهور ولم تعد مجرد توقعات مستقبلية.
وأشار بنزاكور أن الأسرة الممتدة التي شكلت لسنوات طويلة فضاء للتضامن والتكافل ونقل القيم بين الأجيال، بدأت تفقد حضورها تدريجيا مقابل صعود نموذج أسري يقوم على الاستقلالية والتمركز حول الزوجين فقط.
وأوضح المتحدث نفسه أن هذا التحول، رغم وجاهته في بعض أسبابه الاجتماعية، خاصة ما يرتبط برغبة الأزواج الجدد في بناء حياتهم الخاصة بعيدا عن الضغوط العائلية، إلا أنه يطرح تحديات جديدة تتعلق بضعف الروابط بين الأجيال.
إقرأ أيضا : أكثر من نصف عزاب المغرب يرفضون الزواج.. والرجال يتصدرون قائمة «العُزاف»
وأضاف: «لم تعد العلاقات داخل العائلة تمتد كما في السابق، حيث تقلصت مساحات التعايش المشترك، سواء بفعل التحولات العمرانية التي فرضت نمط السكن العمودي، أو بسبب تغير أنماط الحياة، وهو ما أدى إلى نوع من «القطيعة الصامتة» بين أفراد الأسرة الكبيرة».
وأبرز بنزاكور أن تداعيات هذا التحول لا تقف عند حدود العلاقات الاجتماعية، بل تمتد لتشمل وظائف الأسرة نفسها خاصة في ما يتعلق بالتربية والرعاية.
وتابع: «مع خروج الوالدين للعمل، يطرح سؤال البدائل بقوة في ظل تراجع دور العائلة الممتدة التي كانت تضطلع تقليديا بهذه المهام».
وهنا يبرز تحدي توفير مؤسسات للرعاية، مثل دور الحضانة، التي يرى بنزاكور أن الدولة مطالبة بالاستثمار فيها بشكل أكبر بدل تركها رهينة للقطاع الخاص.
من جهة أخرى، يكشف البحث الوطني عن تراجع معدل حجم الأسرة إلى أقل من أربعة أفراد، بالإضافة إلى انخفاض معدل الخصوبة إلى أقل من طفلين لكل أسرة، وهو ما يؤكد على المخاوف المرتبطة بتسارع الشيخوخة الديمغرافية خاصة في ظل ارتفاع سن الزواج وتنامي ظاهرة العزوف عنه.
ويرى بنزاكور أن هذه المؤشرات تظهر تحولا نحو «الفردانية»، حيث لم يعد الانتماء الجماعي والتضامن الأسري يحظيان بنفس المكانة، وهو ما قد يترتب عنه مستقبلا ضغط متزايد على الدولة سواء في ما يتعلق بالرعاية الاجتماعية أو التغطية الصحية أو التكفل بكبار السن.
وفي مقابل هذه التحديات، يبرز النقاش حول سبل التكيف مع هذه التحولات، حيث يؤكد الباحث أن الحلول ممكنة لكنها تتطلب رؤية شمولية للسياسات الأسرية، من ضمنها تشجيع الزواج ودعم الأسر ماديا، وتحفيز الإنجاب، بالإضافة إلى إعادة الاعتبار للأدوار الاجتماعية للأسرة عبر التوعية والإعلام.
وأكد المتحدث نفسه على ضرورة استلهام تجارب دولية نجحت في التخفيف من آثار هذه التحولات، مع مراعاة الخصوصيات المحلية، خاصة في ما يتعلق بالتوازن بين الحفاظ على الهوية الثقافية والانفتاح على أنماط عيش جديدة.
