سنوياً، تُفتح عشرات المختبرات لكنّها في العمق لا تقدّم أيّ شيء يُذكر، ما عدا التنشيط الثقافي الذي تقوم به وهو في مجمله عبارة عن صداقات وزمالات لها علاقة لها بالإنتاج المعرفي. ففراغ القاعات من الطلبة وانسحاب الأكاديميين من الشأن العلمي لصالح أمور أخرى لها علاقة بالتجارة والبناء وغيرها، يضع الجامعة على حقيقتها العلمية وما أصبحت عليه في زمن انهيار القيم وتآكل المواقف التي طالما جعلت الجامعات المغربية تحظى باحترام كبير من لدن المجتمع.
وذلك بسبب الأسماء اللامعة التي طبعت الفضاء الجامعي من مفكرين ومؤرخين وسياسيين واقتصاديين وفنانين وغيرهم من الشخصيات التي بصمت الجامعة المغربية لا من خلال التدريس فقط، ولكنْ عبر ما قامت به من إنتاج علمي تجاوز أسوار الجامعة واخترق فضاءات الواقع، فكانت الأفكار التي تُنتج داخل المختبرات العلمية الجامعية، تجد صداها الواسع داخل المجتمع، لأنّ الجامعة، لم تكن كهفاً مظلماً كما يحدث اليوم، وإنما عبارة عن مختبر أكاديمي مشرع على المحيط السوسيو ثقافي للمجتمع بمختلف تحوّلاته السياسية والاجتماعية والثقافية.
ما يحدث اليوم من تهميش للإنتاج العلمي داخل فضاء من المفروض أنْ يكون مختبراً للتفكير والسؤال، هو جريمة في حق التعليم العالي، ينبغي تدارك الأمر بضرورة توظيف الرأسمال الرمزي والتشجيع على القراءة والبحث في قضايا جديدة ذات صلة بالمجتمع وما يعيشه من مآزق سياسية ونكبات اجتماعية وتحولات ثقافية تدعو الباحثين بشكل عام إلى الخروج من كهف أفلاطون وفتح أعينهم أمام ما أصبح عليه الواقع اليوم.
إنّ جعل البحث العلمي (إذا توفّر) مرتبطاً بيوميات الجامعة، فهو بشكل ما يضعف هذا الفضاء والدليل على ذلك هي تلك اللقاءات الثقافية الفارغة التي يحضر فيها مجموعة من الطلبة في غياب تام للباحثين داخل الجامعة نفسها، بحيث يشعر المرء أنّ الأستاذ الجامعي، لم يعُد مهتماً لا بالفكر ولا بالثقافة وإنّما بات مشغولاً بأمور أخرى خارجة عن مدارات الجامعة ويومياتها.
في كل المؤسسات الجامعية العالمية، يُعدّ البحث العلمي بمثابة الأساس الذي يُشيّد عليه المشروع التعليمي، فبدون بحث علمي، لا يمكن الحديث عن قيمة الجامعة، خاصّة في وقتٍ أصبحت فيه المعارف متاحة ومطروحة بتعبير الجاحظ، فالأسلوب التلقيني على مستوى مناهج التدريس وبيداغوجياته القديمة، لم يعُد قادراً على صناعة جوهر العملية التعليمية التعلمية، لأنّه في جوهره يتأسّس على خطاب تعليمي يقدّم معلومة، لم يعُد أيّ أحد في حاجةٍ إليها. لذلك ينبغي اليوم التفكير في إعادة الانفتاح على بيداغوجيات جديدة من شأنها تشجّع الطلبة على القراءة وتفتح لهم نوافذ جديدة يطلّون من خلالها على قضايا أخرى.
يصعب اليوم الحديث عن بحث علمي حقيقي، إذْ لم يستطع الوزراء الذين تعاقبوا على وزارة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، إخراج الجامعة من الانتكاسة الحقيقية التي أصبحت تتخبّط فيها، أمام تراجع البحث العلمي وغياب المشاريع العلمية الحقيقية، كما كان الأمر دائماً مع الأجيال السابقة. فتجارب من قبيل عبد الله العروي ومحمد عابد الجابري وعبد الكبير الخطيبي أسماء فكريّة تعرّف عليها القارئ من داخل ما كانت تكتبه من أبحاث علمية ومؤلفات فكريّة خرجت من رحم الجامعة لتخترق الواقع الثقافي بشكل عام.
لو انتظر العروي أو الحبابي أو كيليطو دعم وزارة التعليم العالي كما يفعل معظمهم اليوم، لما كتبوا تلك المؤلّفات النيّرة التي استطاعوا عبرها تحديث الممارسات الثقافية وجعل الفكر المغربي يتنزّل منزلة رفيعة ومرموقة داخل الثقافة العربيّة. ما نودّ التأكيد عليه أنّ كل المؤلفات التي عرفوا بها خرجت من الجسد الجامعي، لأنهم كانوا يرون أنّ الفضاء الأكاديمي الذي يوحّدهم هو في أصله عبارة عن مسكن للبحث العلمي وليس للتدريس فقط.



