عادت الحياة لتدب من جديد في سد المسيرة، فبعد سنوات من الصمت والعطش وصفت بـ«العجاف»، يبست خلالها أشجاره وظهرت تشققات أراضيه، عاد اليوم ليلتقط أنفاسه مسجلا تحسنا ملحوظا في منسوب حقينته، إذ بلغت نسبة ملئه إلى حدود 27 فبراير 2026 حوالي 31.16 في المائة، أي 827.93 مليون متر مكعب من المياه، وهي نسبة لم يسجلها السد منذ ثماني سنوات، مقارنة بـ2.26 في المائة فقط خلال الفترة نفسها من من السنة الماضية.
هذا التحسن يأتي بعد مرحلة حرجة غير مسبوقة، بلغت ذروتها في يناير 2024 حين أعلن وزير التجهيز والماء رسميا جفاف السد، بعدما تراجعت نسبة ملئه إلى أقل من 1 في المائة، وهي كمية تم تعزيزها آنذاك عبر تحويلات مائية من سدي بين الويدان والحنصالي، في محاولة لتفادي خروجه الكلي عن الخدمة، خصوصا وأنه يلعب دورا مركزيا في تأمين الماء الشروب والصناعي لعدد من المدن الكبرى، من بينها جنوب الدار البيضاء، الجديدة، آسفي، بني ملال، سطات وبرشيد، إضافة إلى المراكز المرتبطة بها، كما يزود المدار السقوي لدكالة، الذي يمتد على مساحة تناهز 97 ألف هكتار، بمياه الري.

وقد انعكس تراجع منسوبه، خلال السنوات الأخيرة، بشكل مباشر، على تقييد أنشطة السقي وتقليص الحصص الموجهة لبعض المناطق، ما جعل السد في صلب معادلة الأمنين المائي والغذائي.
واردات استثنائية بعد تسع سنوات من الشح
وحسب معطيات رسمية حصلنا عليها من وزارة التجهيز والماء، فقد بلغت الواردات المائية المسجلة بهذا الخزان المائي، الذي تبلغ سعته التخزينية حوالي مليارين و657 مليون متر مكعب وعلوه 82 مترا، بفضل التساقطات الاستثنائية لشهري دجنبر 2025 ويناير 2026 حوالي 334 مليون متر مكعب، مقابل 6 ملايين متر مكعب فقط خلال الفترة نفسها من السنة الماضية.

ورغم أن نسبة 31 في المائة تظل بعيدة عن المعدلات الآمنة للاستغلال الكامل، إلا أنها تمثل أعلى مستوى يسجله السد منذ دجنبر 2018.
بين الوفرة والجفاف.. تحليل بيانات أربع عقود
خلال مساره الممتد لأكثر من أربعة عقود، عكس السد منذ بداية استغلاله سنة 1979 التحولات المناخية التي عرفها المغرب بين سنوات ماطرة وأخرى جافة.
ويوضح جدول تطور نسب ملء سد المسيرة، مسارا مائيا متقلبا يعكس بشكل واضح تأثير التحولات المناخية بالمغرب.

وتبرز المعطيات أن السد عرف، خلال المرحلة الممتدة بين منتصف الثمانينيات وبداية التسعينيات (1985-1991)، وضعية مائية مريحة نسبيا، حيث تراوحت نسب الملء غالبا بين 40 و60 في المائة. مع قدرة سريعة على التعافي بعد سنوات الجفاف. على سبيل المثال، في مطلع التسعينات، تهاوت نسبة ملئه إلى 10% (أبريل وماي عام 1993)، لكن وبمجرد حلول موسم مطري جيد (مثل 1995-1996)، قفزت النسبة من 8% إلى 91% في 6 أشهر، ما يعكس حيوية الحوض المائي آنذاك.
وكانت الفترة الممتدة من أواخر سنة 1996 إلى غاية 1999 هي ذروة الوفرة، حيث سجل مستويات امتلاء قياسية قاربت أو فاقت 90 في المائة في عدد من الأشهر، في واحدة من أكثر المراحل استقرارا في تاريخ السد، ما يعكس وفرة التساقطات وتحسن الواردات المائية آنذاك.
غير أن هذه الوضعية لم تستمر طويلا، حيث بدأت المؤشرات منذ ماي 2000 تظهر تراجعا تدريجيا في المخزون، نتيجة توالي سنوات أقل مطرا وارتفاع الطلب على الموارد المائية المرتبط بالتوسع الفلاحي والنمو الديمغرافي، إذ دخلت الحقينة في مسار تنازلي تدريجي، متراجعة إلى ما دون عتبة 50 في المائة، واستمر هذا الانخفاض إلى حدود مارس 2009، قبل أن يستعيد السد نسقه التصاعدي مع تحسن التساقطات.

أما الفترة ما بين 2010 و2016، فكانت إحدى أفضل مراحل السد وآخر مرحلة انتعاش حقيقية، إذ تراوحت نسب الملء خلالها بين 60 بالمائة كحد أدنى و100 بالمائة في عدة أشهر ومواسم، وهي سنوات اتسمت باستقرار نسبي في الموارد المائية.
غير أن هذا الانتعاش أعقبه منحنى تنازلي واضح ابتداء من أواخر سنة 2016 وتحديدا شهر شتنبر، حيث بدأ مخزون المياه يقل عن الـ50 بالمائة، ليدخل بعدها في مرحلة إجهاد مائي حاد بداية 2017 (بين يناير ويوليوز)، وفي نهاية السنة ذاتها دخل السد مرحلة مقلقة، حيث لم تعد نسب الملء في أفضل الحالات تتجاوز 30 في المائة إلى حدود 2021. ومع أواخر سنة 2022، انتقل إلى مرحلة الجفاف الحاد، إذ تهاوت النسبة إلى أقل من 10 بالمائة بشكل متواصل شهرا بعد شهر، قبل أن تبلغ مستويات غير مسبوقة تقل عن 1 بالمائة سنة 2024 حين أعلن جفافه.
Deuxième plus important barrage au Maroc, Al Massira au bord de l’assèchement. khalil Essalak/ Le360. Le360
مشروع الربط المائي.. رهان استراتيجي
في سياق البحث عن حلول مستدامة لأزمة الإجهاد المائي، يبرز مشروع الربط المائي بين أحواض لاو وسبو وأبي رقراق وأم الربيع، الذي أدرج ضمن الاستراتيجية الوطنية للماء سنة 2009، كأحد أكبر الأوراش الهيكلية لضمان الأمن المائي بالمملكة.
وحسب معطيات الوزارة، فإن هذا المشروع بهدف إلى تحويل فائض مائي يتراوح بين 800 و1200 مليون متر مكعب سنويا، بما يعزز التزويد بالماء الشروب بكل من جهات مراكش والرباط والدار البيضاء، ويحسن تزويد المدارات السقوية بالشاوية ودكالة وبني عامر وبني موسى، إلى جانب الإسهام في الحفاظ على الفرشات المائية بالأحواض المعنية.
وفي هذا السياق، أوضحت الوزارة أن توالي سبع سنوات من الجفاف، والتي اتسمت بشح الموارد المائية خاصة بأحواض أبي رقراق والشاوية وأم الربيع، عجل بإدراج مشروع تحويل المياه ضمن البرنامج الوطني للتزويد بالماء الشروب ومياه السقي 2020-2027.
وقد تم إنجاز الشطر الأول، ذي الطابع الاستعجالي، والذي هم ربط حوض سبو بحوض أبي رقراق، عبر تحويل المياه الفائضة من سد المنع على وادي سبو إلى سد سيدي محمد بن عبد الله، بمتوسط سنوي يناهز 400 مليون متر مكعب.
أما الشطر الثاني، فيرتقب أن يرفع صبيب التحويل بين الحوضين إلى نحو 800 مليون متر مكعب سنويا، قبل استكمال الربط بين حوض أبي رقراق انطلاقا من سد سيدي محمد بن عبد الله وحوض أم الربيع عبر سد المسيرة.
ومن المنتظر، يؤكد المصدر ذاته، أن تنطلق الأشغال المرتبطة بهذا الشطر مع نهاية السنة الجارية، في إطار شراكة بين القطاعين العام والخاص.
في المقابل، يشمل الشطر الثالث ربط حوضي لاو واللوكوس بحوض سبو، بهدف تثمين مياه حوض لاو والأحواض المتوسطية، غير أن الوزارة لم تكشف بعد عن الجدول الزمني الخاص بتنفيذه.
وتعتبر هذه المشاريع من أكبر الأوراش التي تراهن عليها وزارة التجهيز والماء، لمواجهة لاتقلبات المناخية وفترات الجفاف، وتفادي ضياع كميات مهة من المياه في البحر في وقت هناك أحواض تعاني من الخصاص.
وتجدر الإشارة إلى أنه، رغم تسجيل تحسن طفيف خلال الموسم الحالي 2025–2026 في نسبة ملء سد المسيرة، إلا أن مقارنتها بفترات سابقة تؤكد أنه لم يستعد بعد توازنه المائي، وأن الوضعية الحالية تبقى هشة مقارنة بالمعدلات التاريخية. فبينما كانت سنة مطرية واحدة كفيلة في الماضي بملء السد تقريبا، أصبحت السنوات الأخيرة تعكس فقدانا واضحا للمرونة، حيث لم تعد التساقطات المحدودة كافية لإنعاش حقينة استنزفتها مواسم متتالية من العجز المطري، إضافة إلى ارتفاع الطلب على الموارد المائية.
ويبقى السؤال المطروح: هل يشكل هذا الارتفاع بداية تعاف فعلي، أم مجرد استراحة قصيرة في مسار جفاف طويل؟



















