في ثاني حلقات برنامجم «وجهة ومسار»، اخترنا أن نحط الرحال بإقليم إفران، هذه الوجهة التي استطاعت أن تفرض نفسها كأحد أبرز الأقطاب السياحية الجبلية بالمملكة، إقليم يتميز بمناظر بانورامية خلابة، ومناخ معتدل صيفا وشتاء، وطابع عمراني فريد أكسب مدينة إفران لقب «سويسرا المغرب»، فضلا عن نظافتها وتنظيمها الذي يجعلها نموذجا مميزا في المشهد الحضري الوطني.
وخلال هذه الجولة، التقينا بمولاي عبد الله لحريزي، رئيس الجمعية الإقليمية للمرشدين السياحيين بإقليم إفران، الذي رافق كاميرا Le360 في جولة لاكتشاف أبرز المواقع السياحية التي يزخر بها الإقليم، مسلطا الضوء على مؤهلاته الطبيعية والإيكولوجية، وعلى الجهود المبذولة لتنظيم وتثمين العرض السياحي بالمنطقة.
المحطة الأولى كانت بمنطقة «تيزي أوغماري»، الواقعة بين أزرو وإفران، وهو فج جبلي يعد بحسب لحريزي، من بين النقاط السياحية المهمة بالإقليم، حيث يتوافد عليه الزوار للاستمتاع بإطلالات بانورامية على مدينة أزرو والجبال المحيطة بها، كما يشكل الموقع نقطة انطلاق مفضلة لعشاق المشي في الطبيعة، بفضل المسارات الجبلية التي يوفرها.
ويضم المكان عددا من الأكشاك التي تعرض منتوجات محلية وهدايا تذكارية، من مصنوعات خشبية مستمدة من ثروات غابة الأرز، إلى أحجار طبيعية بألوان وأشكال متنوعة، وهي مبادرة انطلقت بشكل فردي قبل أن يتم تأطيرها وتنظيمها من قبل المنتزه الوطني في إطار تثمين المنتوج المحلي وربط النشاط السياحي بالتنمية الاقتصادية للساكنة.
المحطة الثانية قادتنا إلى منطقة «أرزݣورو»، إحدى أبرز النقاط الطبيعية بسلسلة جبال الأطلس المتوسط، والواقعة بضواحي أزرو، على بعد حوالي 26 كيلومترا من إفران، وتستمد المنطقة تسميتها من شجرة أرز عملاقة تعرف باسم «ݣورو»، نسبة لاسم ضابط عسكري فرنسي سام، ويقدر عمرها حسب مختصين بنحو 950 سنة، ما يجعلها من أقدم الأشجار المعمرة بالمملكة وأكثرها شهرة.
وتعد «أرزݣورو» وفق ما أكده مولاي عبد الله لحريزي فضاء سياحيا فريدا يستقطب الزوار على مدار السنة، حيث تشكل نقطة انطلاق للعديد من الأنشطة البيئية والرياضية، من جولات بالدراجات الجبلية إلى رحلات على ظهور الخيل وسط غابات الأرز الممتدة، كما يتوافد عليها السياح لاكتشاف هذه الشجرة التاريخية والاستمتاع بالمؤهلات الطبيعية التي تزخر بها المنطقة، خاصة خلال فترات العطل، وأثناء تساقط الثلوج التي تضفي على المكان طابعا استثنائيا، في انسجام تام مع طبيعة جبلية تحافظ على جاذبيتها وتنوعها البيئي.
وكانت الوجهة الموالية الموقع السياحي لـ«مودمام»، وبالضبط فضاء أطلس بارك، وهو مشروع سياحي حديث نسبيا تعززت به البنية الترفيهية بالإقليم خلال السنوات الأخيرة، يقع ضمن المجال الغابوي لسلسلة جبال الأطلس المتوسط بضواحي إفران، وأضحى يستقطب عشاق الطبيعة والمغامرات، لما يوفره من أنشطة متنوعة تستجيب لتطلعات مختلف الفئات العمرية.
ويتميز أطلس بارك بطابعه العائلي، حيث يجمع بين هدوء الطبيعة وتنظيم الفضاءات، مع توفير أنشطة ترفيهية ورياضية من قبيل تسلق الأشجار، ومسالك للمشي وممارسة الرياضة، إضافة إلى فضاءات مخصصة للأطفال الصغار، ما يجعله وجهة مناسبة للعائلات الباحثة عن تجربة متكاملة في أحضان الطبيعة، كما يضم الفضاء خدمات للإطعام، من بينها مطعم يقدم أطباقا إيطالية، في تنويع للعرض السياحي والخدماتي بالمنطقة.
وشملت الجولة كذلك، زيارة إلى مجمع الصناعة التقليدية بمدينة أزرو، حيث تعرفنا على صناعتين أساسيتين تشكلان جزءً من الهوية الحرفية لإقليم إقليم إفران، وهما «تادرازت» والصناعة الخشبية، فالأولى تعد حرفة تقليدية متجذرة في ثقافة الأطلس المتوسط، تعتمد على حياكة الصوف يدويا بزخارف مستوحاة من البيئة الجبلية، وتشكل موردا اقتصاديا مهما لعدد من التعاونيات، فيما تستفيد الصناعة الخشبية من وفرة غابات الأرز بالمنطقة، حيث يبدع الحرفيون في تحويل الخشب إلى قطع فنية ومنتجات تذكارية تعكس مهارة محلية متوارثة، ما يجعل من الصناعة التقليدية رافداً مكملاً للعرض السياحي بالإقليم.
ومع حلول فصل الشتاء، تتحول مدينة إفران إلى لوحة طبيعية بيضاء تخطف الأنظار، حيث تغطي الثلوج الغابات والجبال، مانحة المكان جمالية تضاهي أشهر الوجهات الأوروبية. من منطقة هبري مرورا بمحطة ميشليفن وصولا لأعالي تمحضيت، يمتد الإقليم بمشاهده البانورامية الفريدة التي تجذب الزوار من مختلف أنحاء العالم، للاستمتاع بالرياضات الشتوية مثل التزلج والمشي بالأحذية الثلجية (les randonnées en raquettes)، ويؤكد المرشدون السياحيون المتواجدون في الميدان أن تجربة إفران في فصل الثلوج تترك لدى الزائر انطباعا استثنائيا، وسط تناغم فريد بين الطبيعة، الهدوء، والسحر الشتوي الذي يميز المنطقة.
يمتاز إقليم إقليم إفران بميزة فريدة أخرى تتمثل في وفرة الأنهار والعيون المائية، ما يفتح المجال أمام الزوار لممارسة الصيد واستكشاف الحياة المائية، وهو نشاط يحظى بإقبال خاص من السياح الأجانب، وفق ما أكده المرشد السياحي مولاي عبد الله لحريزي. كما يمكن لعشاق الطبيعة الانطلاق في جولات إيكولوجية، أو رحلات بالدراجات الجبلية (VTT)، أو ركوب الخيل وسط الغابات الشاسعة، ما يعكس التنوع السياحي الذي يقدمه الإقليم.
وبفضل هذا المزيج الفريد من الطبيعة الخلابة والأنشطة المتنوعة، يظل إقليم إفران وجهة سياحية متكاملة على مدار السنة، توفر للزائر تجربة تجمع بين الاستجمام والمغامرة، مع فرصة التعرف على التراث المحلي والثقافة الجبلية في قلب جبال الأطلس المتوسط، فهذه المواقع تشكل بالتأكيد إضافات جديرة بالزيارة لقائمة الوجهات السياحية، لكن من المؤكد أن الإقليم لا يزال يخفي بين طياته الكثير من الأسرار والكنوز الطبيعية والثقافية التي تنتظر من يكتشفها.




