يقدم شمس الدين حفيظ ملفا شخصيا أقل ما يقال عنه إنه لا يتناسب مع طبيعة المكان. فهذا الرجل المولود في الجزائر عام 1954 ليس إماما، بل هو محامي أعمال بنى مساره المهني في القانون الدولي الخاص. وعلى عكس الكاتدرائيات التي توكل إلى أسقف أو الكنس التي يقودها حاخام، وجد مسجد باريس الكبير نفسه تحت وصاية مسير يملك حسا تجاريا صريحا، حيث يتراجع الجانب الروحي أمام المنطق النفعي، ويختفي المقدس لصالح الربحي. لم يعد المسجد مجرد مكان للصلاة، بل صار «أصلا تجاريا» يستغله عميده بلا هوادة.
كان حفيظ مستشارا قانونيا للمسجد في نهاية التسعينيات، إبان عهد دليل بوبكر الذي خدمه بظلال محسوبة، منتظرا ساعته بصبر. اشتغل في الظل طويلا، راقب وتعلم وخطط للسيطرة. وبمجرد تعيينه عميدا في 2020، نجح في إفراغ مسجد باريس الكبير من روحه؛ هذا المكان المشحون بالتاريخ، والذي كان هبة من سلطان المغرب لفرنسا، صار اليوم جسدا بلا روح دينية أو هالة روحية. وأصبحت كل خرجة إعلامية للعميد أشبه بمرافعة سياسية منها إلى رسالة إيمان: دفاع مستميت عن الجزائر في مناوراتها، وتبرير للصدامات الدبلوماسية التي يفتعلها تبون. لقد انطفأت شعلة المكان، وتحول المسجد إلى مجرد آلة.
بحكم خبرته في ردهات المحاكم الجزائرية، ثم في نقابة المحامين بباريس منذ 1991 حيث تسود ثقافة الزبون والعقد والتفاوض، نقل حفيظ عقلية رجل الأعمال إلى المسجد. وبينما كان المصلون ينتظرون مرشدا روحيا، وجدوا أمامهم مديرا إداريا بعيدا كل البعد عن صورة الحكيم. ومن هذا التناقض ولد استياء مستمر، إذ يبدو أن مسجد باريس الكبير استبدل الرداء الروحي ببدلة رجال الأعمال، وصار يتردد في الأروقة أن المئذنة لم تعد تظلل حرما قدسيا بل مقرا لشركة.
خيبة أمل مسلمي فرنسا
في باريس، يشعر الكثير من المصلين المسلمين بالخذلان. فهم الذين كانوا يرون في المسجد الكبير منارة، لم يعودوا يجدون فيه بوصلة ولا توجها. فكيف يمكن الخشوع تحت قبة المسجد مع العلم أن الكواليس تضج بالمناورات السياسية وقضايا المال؟ لقد فقد المبنى شرعيته في عيون جزء من الجالية. المسجد الذي تأسس للاحتفال بالإيمان وحب القريب، يظهر اليوم كقشرة رسمية خاوية، حيث يتردد صدى الصلاة في فراغ تفرضه السياسة.
إنه تحول قاس بالنظر إلى الطموحات العالية التي رافقت تأسيس المسجد. فقبل قرن، منح سلطان المغرب مولاي يوسف فرنسا معلما يجسد عظمة الإسلام. ومنذ وضع الحجر الأساس عام 1922، أكد ليوطي على الأبعاد الأخوية للمشروع قائلا: «عندما ترتفع المئذنة التي ستبنيها [السلطان مولاي يوسف]، لن تصعد إلى السماء إلا صلاة إضافية لن تشعر أبراج نوتردام تجاهها بأية غيرة». كما تميز العميد الأول، سي قدور بن غبريط –الوزير السابق للسلطان المغربي– خلال الحرب العالمية الثانية بحماية اليهود ومنحهم شهادات إسلامية مزورة للإفلات من النازيين، منقذا العشرات باسم الإنسانية. تلك كانت الروح المغربية الأصلية للمسجد: مكان للعبادة والملاذ، يحمل رسالة محبة تتجاوز حدود المعتقد.

يخشى الكثيرون أن تكون هذه الروح قد تلاشت نهائيا تحت إدارة شمس الدين حفيظ والاستغلال الدنيوي للمكان. لقد طردت السياسة المقدس، وباتت تفوح رائحة حنين مريرة حول الرياض المغربي للمسجد، حيث يتخيل المرء أجيالا مضت جاءت لتصلي بسلام، دون أن تدرك أن هذا الحرم سيصبح يوما ملعبا لتأثيرات أجنبية. لقد عرف المسجد ساعات مجد في قرن من الوجود، لكنه يمر اليوم بواحدة من أكثر فتراته قتامة.
دخيل تحت المئذنة
يقر حفيظ نفسه بدوره الإداري الصرف، حيث يصرح في الصحافة الفرنسية: «أنا لست إماما ولم أدع ذلك أبدا، أنا أهتم بتسيير المسجد». ولكن ما هي إنجازاته منذ توليه المنصب؟ وماذا يعني «التسيير» في قاموسه؟ إذا كان لا يجسد الإيمان ولا الإرشاد الروحي، فإنه الشخصية الوحيدة التي تبرز في كل مناسبة مرتبطة بالمسجد. كما أن قربه المعلن من النظام الجزائري يثير الدهشة، وهو غموض مقصود أوقع مكان العبادة في فخ الاستقطاب السياسي الذي يزعج مسلمي فرنسا.
تتماشى كل تحركاته مع أجندة الرئاسة الجزائرية، لدرجة أن المسجد صار يتهم بكونه «سفارة ثانية للجزائر» في فرنسا. وهذه التسمية تلازم حفيظ، خاصة وأنه لا يشارك في أي نشاط روحي محلي حقيقي، ولا يظهر في التجمعات الكبرى لحوار الأديان أو مبادرات الجالية المسلمة الفرنسية، بل يقتصر دوره على نقل رسائل آتية من الجزائر العاصمة.
يصفه كزافييه دريانكور، السفير الفرنسي السابق في الجزائر، صراحة بأنه «وكيل نفوذ في خدمة النظام الجزائري»، معتبرا أن الوقت لم يعد للشك بل لليقين في هذا الشأن. وعندما دعا مؤثرون جزائريون مؤخرا إلى الفوضى في فرنسا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، رفض حفيظ إدانتهم، بل أصدر بيانا عنيفا ضد من نددوا بتلك الدعوات للكراهية، واصفا قناة «سي نيوز» بأنها «قناة يمين متطرف»، وهاجم الناشط شوقي بن زهرة ووصفه بـ«البلوغر المغمور» رغم تهديدات القتل التي استهدفته. وبدلا من الدفاع عن أمن الفرنسيين وشرف الإسلام، اختار العميد نجدة النظام الجزائري المتورط في القضية.
لا يخفي العميد علاقاته المتميزة مع الرئيس عبد المجيد تبون، الذي يصفه بـ«الصديق». بل إنه ترأس في فرنسا لجنة دعم تبون خلال الانتخابات الرئاسية الجزائرية الأخيرة، ماحيا الحدود بين دوره الديني والساحة السياسية. وفي وسائل الإعلام، يتصرف حفيظ كمتحدث رسمي باسم الرئيس الجزائري.
وآخر مثال على ذلك تدخلُه في يناير 2026 عبر برنامج «Complément d’enquête» على قناة «فرنسا 2» لتفسير أسباب الخلاف بين باريس والجزائر. ظهر حفيظ كلسان حال سيده، وصرح بأن دعم باريس للرباط «أنهى العلاقة» بين ماكرون وتبون. بل ذهب إلى حد كشف تفاصيل محادثة مفترضة بين الرئيسين في قمة مجموعة العشرين في يونيو 2024، زاعما أن تبون حذر ماكرون قائلا: «إذا فعلت ذلك، سينتهي الأمر بيننا»، في إشارة مباشرة للاعتراف بمغربية الصحراء. إن صدور مثل هذا الكلام عن مسؤول ديني يعد أمرا غريبا، حيث لا يتردد حفيظ في لعب دور المبعوث غير الرسمي للرئاسة الجزائرية.
وقد أبدت الصحافة الفرنسية انزعاجها، حيث تساءلت مجلة «لوبوان» مؤخرا في عنوان لها: «ماذا نفعل بمسجد باريس الكبير، ملحق النظام الجزائري؟». والحقيقة أن تحويل مكان عبادة إلى قناة سياسية جعل حفيظ يخلط بين كل المفاهيم. لم يعد المسجد حرما للمؤمنين، بل صار ممرا للدعاية الرسمية. وباريس تدرك ذلك جيدا، حيث تطالب أصوات عديدة بسحب تسيير المسجد من الأيدي الجزائرية، واقترح بعض المنتخبين علنا تسليمه للمغرب، مذكرين بالجذور التاريخية المغربية للمبنى والحاجة إلى نشر إسلام تنويري قائم على التسامح والعيش المشترك بدلا من التوظيف السياسي الحالي.
فضيحة الاتجار بشهادة « حلال »
بين تبون وحفيظ، توجد أيضا تجارة «شهادة حلال» المربحة التي انطلقت نهاية 2022، وهي احتكار للشهادات يشبه الابتزاز. فأي منتج غذائي يصدر من أوروبا إلى الجزائر يجب أن يحمل ختم «حلال» صادر عن شركة خاصة مقرها داخل مسجد باريس الكبير. إنه أمر مذهل ومثير للصدمة؛ شركة تجارية أسسها حفيظ خصيصا للمناسبة تحت اسم «مسجد باريس الكبير – شهادة حلال»، وهو رئيسها الشريك الوحيد. النظام بسيط وسوداوي: فوترة بضعة سنتيمات لكل كيلوغرام من المواد (حليب، زيوت، بسكويت...) مقابل وضع الختم على منتجات لم تكن تتطلب أصلا مثل هذه الشهادة. وقد تم توسيع هذا الإجراء ليشمل مواد بعيدة عن اللحوم، وبدون هذا «التصريح» المدفوع، لا يمكن لأي مصنع أوروبي عبور الجمارك الجزائرية. هذه العملية التي تمت «تحت الرعاية السامية» للرئيس تبون تدر أرباحا طائلة؛ ففي عام 2024 وحده، حقق وضع هذا الشعار نحو 5 ملايين يورو لحفيظ وتبون، وفق ما كشفته صحيفة «لوبينيون» الفرنسية (يناير 2025).
هناك قضايا أخرى تلطخ مسيرة حفيظ؛ فمنذ استقراره في فرنسا، تخصص في رفع دعاوى ضد حرية التعبير. قاضى «شارلي إيبدو» عام 2006 بتهمة التجديف وخسر القضية، وفعل الشيء نفسه مع الكاتب ميشيل هولبيك. واليوم، نلاحظ صمته المطبق والجبان تجاه سجن بوعلام صنصال وكريستوف غليز في الجزائر. وفي المقابل، نجده في الخطوط الأمامية كلما رفعت شكوى ضد قوات الأمن الفرنسية، واصفا الأخطاء الأمنية دوما بـ«العنصرية». هذا الكيل بمكيالين يربك المصلين؛ فشمس الدين حفيظ يعطي الانطباع بأنه يخدم أجندة سياسية أجنبية بدلا من الدفاع عن جاليته أو القيم الكونية.
وجهان ويد تقبض على العنق
انتهى المطاف بشمس الدين حفيظ لتجسيد تناقض صارخ: من جهة، المسير الذي يقسم أنه «ليس إماما»، رجل الملفات والتوقيعات؛ ومن جهة أخرى، الوجه العام الذي يتحدث باسم الجزائر، يتهم ويحول المئذنة إلى منصة خطابة. هذا اللعب المزدوج ليس انحرافا معزولا، بل يبدو كمنهجية؛ فخلف المحامي هناك رئاسة توجه وتطلب: عبد المجيد تبون، الشخصية الرمادية التي تحرك الخيوط في الظل وتصدر أساليب الرقابة إلى باريس. وبسبب هذا الاصطفاف، حافظ المسجد على شكل المقدس، لكنه يحمل آثار انتهازية غير لائقة؛ بقي المكان، ورحلت الروح.
ولعل هذه هي الفضيحة المستمرة: ليست مجرد صراع أشخاص، بل بصمة سياسية وضعت على معلم يفترض أن يتجاوز الدول. سيترك تبون في فرنسا ندبة نفوذ وتشويش، أما التاريخ، فسيذكر رجلا صاحب ولاية كارثية: أسوأ رئيس للجزائر، هاوٍ ومخادع، دفع ببلاده إلى مياه الدبلوماسية العكرة، ولوث حتى عتبات بيوت الله.




