إلا أن إغلاق المضيق جراء التوترات التي تشهدها المنطقة، لم يشكل صدمة فقط لأسواق الطاقة والاقتصاد العالمي، بل كشف أن هناك جانبا إنسانيا في القصة لم يلق اهتماما كافيا في الأوساط السياسية والحقوقية والإعلامية الدولية والمحلية.
فالتركيز على التداعيات الاقتصادية والسياسية لإغلاق مضيق هرمز لم يترك مجالا كافيا للحديث عن الجوانب الإنسانية والتأثير الهائل لهذه الأزمة على عدد من الأشخاص في مختلف أنحاء العالم.
قد يكون لإغلاق المضيق «تأثير هائل» حيث تعتمد سلاسل الإمداد العالمية على هذا الممر الحيوي لنقل، على سبيل المثال، المواد الإغاثية والطبية إلى ملايين المحتاجين حول العالم.
كما أن التوقف الاضطراري للملاحة أدى، لا محالة، إلى تسجيل اضطراب في أسواق السلع الأساسية مثل الأسمدة، مما يهدد الأمن الغذائي العالمي ويؤدي إلى ارتفاع كبير في أسعار المواد التموينية.
بالنسبة لعدد من المراقبين الدوليين، فإن استمرار توقف الملاحة بمضيق هرمز من شأنه أن يؤدي إلى اضطراب في مجال توريد الوقود اللازم لتشغيل عدد من المستشفيات، ومحطات تحلية المياه، ومرافق البنية التحتية الأساسية في العديد من الدول التي تعتمد كليا على هذه الإمدادات، على اعتبار أن نحو 20 في المائة من نفط العالم وغازه الطبيعي يمر عبر المضيق.
وقد أظهرت بيانات تتبع السفن أن حركة الملاحة في مضيق هرمز لا تزال شبه متوقفة رغم اتفاق وقف إطلاق النار بين واشنطن وطهران، إذ عبرت خلال الساعات الـ24 الماضية ناقلة واحدة للمنتجات النفطية و5 سفن فقط لنقل البضائع الجافة.
وفي هذا السياق ذاته، فقد تسببت أزمة مضيق هرمز في تداعيات إنسانية قاسية على البحارة، حيث تحول المضيق إلى « منطقة عمليات حربية » تضع حياة المدنيين في مواجهة مباشرة مع الصراع العسكري.
وكانت المنظمة البحرية الدولية قد أكدت أن نحو 2000 سفينة علقت في مضيق هرمز، نتيجة عرقلة إيران لحرية الملاحة في هذا الممر الحيوي، في وقت يواجه فيه أكثر من 20 ألف بحار مخاطر متزايدة وسط نقص حاد في الإمدادات، لاسيما وأن البحارة يعيشون وضعا صعبا في عرض البحر، حيث لا يستطيعون التقدم أو العودة، في ظل استمرار الأزمة منذ أكثر من شهر.
وأشارت تقارير إعلامية إلى أن حوالي 200 سفينة فقط تمكنت من عبور المضيق خلال الأسابيع الأخيرة، بينما لا تزال غالبية السفن عالقة، دون وضوح بشأن موعد عودة حركة الملاحة إلى طبيعتها.
وبحسب المصادر ذاتها، فإن الأزمة تتفاقم مع بدء نفاد الإمدادات الأساسية، إذ تعاني العديد من السفن من نقص في المواد الغذائية والماء، بالتزامن مع المخاوف المثارة بشأن خرق وقف إطلاق النار المعلن بين الولايات المتحدة وإيران.
وفي ظل غياب حلول سريعة وصعوبة الاستجابة الفورية لنداءات الاستغاثة، لجأت طواقم السفن إلى وسائل بديلة للتواصل، من بينها أجهزة الراديو عالية التردد ومنصات التواصل الاجتماعي، لتبادل النصائح حول سبل البقاء في هذه الظروف القاسية.
وقد سجلت المنظمة البحرية الدولية منذ بدء النزاع في أواخر فبراير 2026، مقتل 10 بحارة وإصابة آخرين نتيجة تعرض 24 سفينة تجارية لهجمات مباشرة بطائرات مسيرة وصواريخ، علاوة على الإرهاق النفسي الذي يعاني منه أطقم السفن نتيجة التعرض الطويل لظروف ومخاطر الحرب، مع انعدام أفق واضح للنجاة أو العودة، بالإضافة إلى تعطل عمليات تبديل هذه الأطقم والعودة إلى الأوطان.
وقد تم تصنيف المضيق كمنطقة «عمليات حربية»، مما يمنح البحارة نظريا الحق في رفض الإبحار وطلب العودة، والحصول على بدلات مخاطر، إلا أن التنفيذ الفعلي يواجه صعوبات لوجستية هائلة.
ورغم صعوبة المشهد، فإن المنظمة البحرية الدولية والأمم المتحدة تقودان مفاوضات مكوكية مع عدد من الفاعلين الدوليين لإنشاء ممر إنساني آمن لإجلاء هؤلاء البحارة وتأمين عبور السفن العالقة، والحصول على ضمانات دولية بفتح ممرات بحرية محمية ومنزوعة السلاح تسمح للسفن العالقة بالخروج من منطقة النزاع دون التعرض لخطر الهجمات بالصواريخ والطائرات المسيرة.
لم يكن مضيق هرمز يوما مجرد ممر مائي تتنازع عليه القوى من أجل السيطرة المباشرة فحسب، بل شكل على الدوام نقطة تقاطع لمصالح اقتصادية واستراتيجية وسياسية دولية.
