مصطفى الطوسة يكتب: المغرب الكبير وفق تبون!

مصطفى الطوسة

في 22/09/2025 على الساعة 20:49

مقال رأيالمغرب الكبير المتخيَّل في ذهن تبون هو مجموعة من الدول التي تشاركه عداءه المتجذر تجاه المغرب. غير أنّ محاولاته، رغم توظيفه لترسانة من الإغراءات الاقتصادية، انتهت إلى الفشل.

تبقى هناك ورقة دبلوماسية يلعبها النظام الجزائري بشهية محمومة، وهي الإكثار من الصور الجماعية مع مسؤولي دول المغرب الكبير باستثناء المغرب. ففي كل لقاء دولي تشارك فيه الجزائر، يحرص النظام الجزائري، سواء على مستوى رئاسة الجمهورية أو وزارة الخارجية، على التقاط صورة مع تونس، وموريتانيا، وجزء من ليبيا، ومع جبهة البوليساريو متى سنحت الفرصة.

هذا الإصرار الجزائري على هذه الممارسة، وتحويلها في كثير من الأحيان إلى ذروة نشاطه الدبلوماسي، يهدف إلى نسج أسطورة سياسية مفادها أنّ المغرب معزول إقليميا، وأنه بالرغم من الحركية الدولية المتنامية التي تعترف بالسيادة المغربية على الصحراء، فإن دول المغرب الكبير بعيدة عن تبنّي هذه الرؤية. كما يسعى هذا الحرص الجزائري على الظهور برفقة مسؤولين مغاربيين إلى تصدير فكرة أنّ الجزائر ليست معزولة ولا مطوّقة بدول معادية، على خلاف ما تكشفه حقيقة توتراتها الإقليمية.

في الواقع، فإن فكرة « مغرب مصغّر » من دون المغرب سبق أن طرحها الزعيم الإسلامي التونسي السابق راشد الغنوشي، الذي يقضي حاليا عقوبة سجنية في ظل نظام قيس سعيّد. وعندما روّج لهذه الفكرة، كان الغنوشي على صلة وثيقة، بل حميمة، بالنظام العسكري الجزائري الذي كان يغطيه آنذاك الوجه المدني المتمثل في عبد العزيز بوتفليقة.

هذه الفكرة تم تبنيها بحماس كبير سواء من طرف الإعلام الجزائري، الذي وجد فيها حيلة لتغذية حملاته التحريضية ضد المغرب، أو من قبل الدبلوماسية الجزائرية التي جعلت من تلك اللقاءات المزعومة « مغاربية » بمثابة الأساس والمنتهى في استراتيجيتها الدولية. ومنذ ذلك الحين، أعاد الرئيس تبون إحياء هذه الفكرة وسعى إلى تحويلها إلى واقع دبلوماسي وجغرافي، بهدف معلن يتمثل في إيهام الرأي العام بأن المغرب معزول داخل محيطه الإقليمي.

لكن هذه الاستراتيجية منيت بفشل ذريع. فباستثناء صور تجمع بين الرئيسين الجزائري عبد المجيد تبون والتونسي قيس سعيّد، حيث يطغى الطابع السخيف والبائس لهذا التحالف المصطنع والمفروض، وتغيب عنه أي جدوى أو فاعلية، لم يتحقق أي مكسب سياسي ملموس. ولا يزال تبون يحرص على أن تكون «جزء من ليبيا» وجبهة البوليساريو حاضرة في تلك الولائم الدبلوماسية، في محاولة لإضفاء مسحة من «الطبيعية» على جمهورية الوهم (ما يسمى بالجمهورية الصحراوية)، غير أن ذلك لم يغير شيئا. فالطابع المزيف والمفبرك والمصطنع، والمتحايل على الحقائق، هو السمة الطاغية على هذه الاستراتيجية.

استخدام هذه الورقة من طرف النظام الجزائري يثير بانتظام موجات من السخرية على مواقع التواصل الاجتماعي. ومؤخرا، خلال القمة العربية الإسلامية التي انعقدت في الدوحة احتجاجا على الضربة الإسرائيلية التي استهدفت قادة حركة حماس في العاصمة القطرية، لم يجد وزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف ما يقوم به، سوى مواصلة نهج «المغرب الكبير من دون المغرب»، بتنظيم لقاء ضم القائم بالأعمال الليبي ووزير الخارجية التونسي. أما الصورة التي أظهرت ثلاثتهم وهم يضحكون بملء وجوههم في مشهد من التهاون والاستخفاف، فقد جاءت مناقضة تماما لخطورة اللحظة التي تمر بها القضية الفلسطينية وأمن الدول العربية.

«إن «المغرب الكبير وفق تبون»، شأنه شأن باقي الخيارات العدائية التي يعتمدها النظام الجزائري ضد المغرب، مآله إلى الأفول، في ظل التطورات الإيجابية والحتمية التي يعرفها ملف الصحراء المغربية على مستوى الأمم المتحدة»

—  مصطفى الطوسة

إلى جانب ذلك، بدأت هذه الاستراتيجية الجزائرية القائمة على استغلال ورقة «المغرب المصغّر» تثير انزعاج الرئيس الموريتاني، الذي يرفض بشكل متزايد الانخراط في مثل هذه المناورات السياسية العقيمة وعديمة الجدوى. فالمغرب الكبير المتخيَّل لدى تبون هو مجموعة من الدول التي تشاركه عداءه المتجذر تجاه المغرب. غير أن محاولاته، رغم ترسانة الإغراءات الاقتصادية التي لجأ إليها، انتهت إلى الفشل.

هذا الخيار بدأ فعليا في التراجع. فإلى جانب موريتانيا، التي بدأت تدرك المأزق السياسي والاقتصادي الذي ورطها فيه « اعترافها » بالبوليساريو، بدأ التونسيون هم أيضا يطرحون بصوت عال تساؤلات حول جدوى خيار رئيسهم قيس سعيّد بالخضوع الأعمى للعسكر في الجزائر، إلى درجة منح الانطباع المقلق بأن تونس، التي اشتهرت يوما بحيادها الإيجابي، تحولت إلى مجرد ولاية جزائرية. أما ليبيا، المنقسمة والمفتقدة لسلطة مركزية ممثلة، فإن مشاركتها في المسرحيات المغاربية وفق رؤية تبون لا تضيف وزنا يُذكر في المعادلة.

إن « المغرب الكبير وفق تبون »، شأنه شأن باقي الخيارات العدائية التي يعتمدها النظام الجزائري ضد المغرب، مآله إلى الأفول، في ظل التطورات الإيجابية والحتمية التي يعرفها ملف الصحراء المغربية على مستوى الأمم المتحدة. فغدا، عندما تصادق المنظمة الأممية في نيويورك على خيار الحكم الذاتي باعتباره الحل الوحيد والنهائي لهذا النزاع الإقليمي، ستجد موريتانيا، التي تعترف بالبوليساريو، وتونس قيس سعيّد، التي افتعلت خصومة مع المغرب بسبب البوليساريو، نفسيهما في مواجهة تيار مناقض تماما لهذه الدينامية الدولية.

وستكون تلك الدول المغاربية التي يعوّل عليها النظام الجزائري لبيع أوهامه مضطرة إلى مراجعة مواقفها وتكييفها مع الشرعية الدولية. وبذلك، سيفقد تبون آخر أوراق الضغط التي كانت توفر له مسرحا للظلال والتضليل.

تحرير من طرف مصطفى الطوسة
في 22/09/2025 على الساعة 20:49