تعيش الجزائر في حالة توتر جغرافي دائم، كجسد محاط بأورام خبيثة لم تتوقف عن النمو. منذ استقلالها عام 1962، وهي محاصرة في قبضة حروب محتملة تطرق أبوابها باستمرار، بشكل آلي تقريبا. من خلال الاستيلاء على أراضٍ شاسعة ورثتها الجزائر من فرنسا، على حساب حدود هشة ونزاعات لم تحل قط، حولت الدولة الجزائرية أطرافها إلى مناطق في حالة تأهب دائم، حيث يبدو السلام فيها أشبه بحلم بعيد المنال.
بالنسبة للجيش الوطني الشعبي، أصبحت هذه المناطق الحدودية، ولا سيما تلك المتاخمة لمالي وليبيا والمغرب، جبهات خفية، متوترة باستمرار. إنها تتطلب «حربا بلا حرب»: عشرات الآلاف من الجنود منتشرين ليلا ونهارا في الصحراء الشاسعة، ترسانةٌ ثقيلةٌ يتم تجديدها باستمرار ومكلفة، وشبكةٌ كثيفةٌ من تقنيات المراقبة. كل هذا يسهم في هوس الحفاظ على حالة تأهب في الحاميات.
إن هذا التواجد العسكري الدائم ليس مجرد جواب أمني، بل هو قبل كل شيء اعتراف بالضعف. فخلف التأكيد المتواصل على السيادة يكمن قلق أعمق، يكاد يكون وجوديا: الحاجة إلى الدفاع باستمرار عن أراض لا تزال شرعيتها موضع نزاع، سواء خارجيا أو في أعماق الذاكرة الإقليمية. وهكذا تجد الجزائر نفسها في وضعٍ غير مريح، لا هي في حالة حرب مفتوحة ولا هي في سلام حقيقي، أسيرة إرثٍ ترابي عليها حمايته كجرح لم يندمل بعد.
الجبهة الليبية: حدود تحت مراقبة دائمة
اضطرت الهندسة الترابية للجيش الوطني الشعبي، التي كانت منظمة لفترة طويلة حول ست مناطق عسكرية تغطي كامل البلاد، إلى إحداث تغيير في هيكلها بعد سقوط نظام معمر القذافي عام 2011. وبعد عامين، أحدثت الجزائر المنطقة العسكرية السابعة، التي يوجد مقر قيادتها في إليزي، على بعد حوالي 100 كيلومتر من الحدود، والتي سرعان ما أصبحت منطقة مناوشات متزايدة مع الجيش الليبي. وتلا ذلك انتشار عسكري: ففي عام 2014، كان ما يقرب من 30 ألف جندي متمركزين هناك، وفقا لـمعهد جنيف للدراسات الدولية والاستراتيجية، وهو أحدث رقم موثق متوفر. ويمثل هذا الرهان الأمني الجزائري-الليبي إرثا ترابيا ثقيلا: فالأراضي الليبية التي استعادتها الجزائر عام 1962 تمثل حوالي 32 ألف كيلومتر مربع، أي ما يقارب مساحة بلجيكا، وهي مساحة شاسعة تتطلب مراقبة وسيطرة ودفاعا.
وميدانيا، تتجسد هذه الاستراتيجية في انتشار عسكري كثيف. في جانت، بولاية إليزي، أُنشئت قاعدة عسكرية كبيرة ومطار. وكان من المفترض أن يرمز معبر دبداب الحدودي، المقابل لغدامس، إلى تطبيع تدريجي للعلاقات مع طرابلس: ففي عام 2021، اتفقت الجزائر والسلطات الليبية على إعادة فتحه لأسباب اقتصادية. إلا أن هذا الطموح اصطدم بالواقع الميداني في حقبة ما بعد القذافي: فقد جمد الهجوم المضاد، الذي شنه المشير حفتر، العدو اللدود للجزائر والذي يسيطر على نصف ليبيا، بعد أسابيع قليلة، أي أمل في التهدئة. وكان قد أعلن المنطقة الحدودية مع الجزائر «منطقة عسكرية مغلقة» بعد أن أرسل قواته للتجول لبضعة أيام داخل الأراضي الجزائرية المتنازع عليها. أدى هذا التوغل الرمزي إلى إعادة انتشار كبيرة للجيش الليبي نحو الجنوب الغربي (غات وغدامس) في صيف عام 2024. ويوم 10 غشت 2024، دعت الجزائر رسميا «الأطراف الليبية إلى ضبط النفس»، بينما عززت وجودها العسكري على الفور. وبالمقابل، أعلنت كتيبة حفتر المتمركزة قرب الحدود حالة التأهب، ولا تزال مستمرة حتى اليوم لمنع أي تقارب مع الجزائر. عزز الجيش الوطني الشعبي تواجده من خلال آلاف الجنود الإضافيين، وحرس الحدود، والقوات الخاصة، والقوات الجوية، ودوريات تجوب المناطق النائية، بالإضافة إلى الطائرات المسيرة، ومروحيات من طراز Mi-24 وMi-28، وطائرات سوخوي المقاتلة. في جنوب شرق الجزائر، أصبحت الحدود جبهة دائمة، تخضع للمراقبة ليلا ونهارا، حيث تتم مراقبة كل تحرك باعتبارها مقدمة محتملة لأي تغيير.
الحدود الجزائرية المالية مصدر توتر دائم
في جنوب الجزائر، تحولت الحدود مع مالي إلى مصدر توتر شبه دائم، وربما الأكثر اضطرابا والأقرب إلى الصراع المفتوح. باماكو، المتحالفة حاليا مع المشير حفتر، لا ينظر إليها في الجزائر مجرد جارة هشة، بل كعامل محتمل للحرب. في هذه الفضاء الصحراوي، حيث الحدود طويلة ومستقيمة ويصعب مراقبتها، فإن الرهان هو رهان ترابي. تمثل الأراضي المالية التي استولت عليها الجزائر بعد الاستقلال ما يقارب 120 ألف كيلومتر مربع، وهي مساحة تضاهي مساحة بلغاريا أو اليونان. هذه المنطقة الشاسعة قليلة السكان تتخللها طموحات عسكرية جزائرية للهيمنة.
في أبريل 2023، ومرة أخرى في مارس 2025، دمرت الدفاعات الجوية الجزائرية طائرات مسيرة مالية بالقرب من هذه النقطة الحساسة بين مالي والجزائر والنيجر. اتهمت باماكو الجزائر بإسقاط هذه الطائرات فوق الأراضي المالية، بل والأخطر من ذلك، بالتورط في تمرد الأزواد. وردا على ذلك، أعاد الجيش الوطني الشعبي تنظيم انتشاره. فقد تم تعزيز المناطق التي كانت سابقا تحت قيادة المنطقة العسكرية السادسة، المتمركزة في تمنراست، بإنشاء قطاعات عملياتية جديدة في برج باجي مختار وفي عين قزام، في أقصى الجنوب، بالقرب من الحدود المالية. والهدف واضح: إنشاء حاميات ثابتة قادرة على قطع طرق التسلل المحتملة بسرعة. ويضم هذان الموقعان الآن وحدات مجهزة بمركبات مدرعة خفيفة ومدفعية متنقلة، مدعومة بمهابط طائرات تكتيكية تضمن إعادة التموين والانتشار السريع.
ويؤشر عدد القوات المنتشرة إلى خطورة التهديد. ففي عام 2015، عندما بدأت الاضطرابات في شمال مالي، تم حشد نحو عشرة آلاف جندي على طول الحدود الجزائرية المالية. في عام 2019، ووفقا لوكالة أنباء شينخوا الصينية، تم نشر «عدة آلاف» من الجنود الإضافيين، وهو عدد ازداد بعد حادثة الطائرة المسيرة، على الرغم من عدم وجود توضيح رسمي. تتناوب القوات الخاصة والمظليون وحرس الحدود والدرك الوطني على العمل في بيئة بالغة الصعوبة. وتنضاف إلى ذلك منظومة دفاعية ضخمة: مواقع محصنة، وخنادق للحد من التسللات، وأجزاء من الخنادق تمتد لمئات الكيلومترات، ومراقبة جوية وإلكترونية مستمرة. هنا، لم تعد الحدود منطقة هامشية، بل أصبحت جبهة متوترة، في حالة تأهب دائم، حيث يفسر كل تحليق جوي وكل حركة على الأرض على أنها نذير شؤم.
الحدود المغربية، ركن أساسي في العقيدة الأمنية الجزائرية
تشكل الحدود الجزائرية-المغربية، بالنسبة للجزائر، أحد أكثر نقط المراقبة تنظيما ورمزية. وتعتمد مراقبتها على تنظيم عسكري لا مثيل له: المنطقة العسكرية الثانية، ومقرها وهران، تُسيطر على القطاع الشمالي، بينما تغطي المنطقة العسكرية الثالثة، ومقرها بشار، المحور الصحراوي. وفي يونيو 2022، أُضيف إلى هذه الهندسة إحداث المنطقة العسكرية الثامنة في تندوف، والتي تضم، من بين مناطق أخرى، منطقة أدرار. رسميا يتعلق الأمر بتقريب القيادة من الميدان، أما في الواقع، فإن إعادة التنظيم هذه تقرب هيئة الأركان العامة الجزائرية من جبهة البوليساريو، التي تعتبر ككلب حراسة متقدم على جميع أنحاء الصحراء الشرقية.
ويمثل هذا الفضاء، الذي تُسيطر عليه الجزائر منذ استقلالها، مساحة تعادل مساحة المغرب الحالية، باستثناء الصحراء «الغربية». يقدر المؤرخون الجادون مساحة المنطقة بما بين 450.000 و500.000 كيلومتر مربع، أي ما يعادل ربع مساحة الجزائر الحالية تقريبا. هذه المساحة الشاسعة تفسر عمق الوحدات العسكرية المنتشرة وأهمية هذه الحدود في العقيدة الأمنية الجزائرية.
في يناير 2021، استعرضت مناورات «حزم 2021»، التي أُجريت في تندوف وحظيت بتغطية إعلامية واسعة، هذا الاستعداد. شاركت دبابات وصواريخ كورنيت ومروحيات وطائرات سوخوي-30 إم كي إي المقاتلة في مناورات تم تصويرها بالذخيرة الحية. ولعدة دقائق، بث التلفزيون الجزائري استعراضا للقوة موجها للرأي العام الداخلي وللدول المجاورة على السواء. وخلال إشرافه على المناورات، حث الجنرال سعيد شنقريحة الجيش الوطني الشعبي على البقاء «على أهبة الاستعداد لمواجهة التحديات» ضد «أعداء الأمس واليوم»، في سياق تميز باعتراف الولايات المتحدة بالسيادة المغربية على الصحراء.
أما ميدانيا، فالتعزيزات ملموسة. على طول الحدود الصحراوية، نشر الجيش الجزائري شبكة تضم حوالي عشرين قاعدة وثكنة. بعضها عبارة عن حصون استعمارية سابقة أعيد استخدامها، بينما بني البعض الآخر أو جدد مؤخرا. وشهدت قاعدة تندوف توسعة كبيرة لاستيعاب طائرات سوخوي المقاتلة الجديدة ووحدات مدرعة. وقد تم تسليم الدفعة الأولى من طائرات سوخوي-30 و35 في الفترة 2022-2023، مما جعل تندوف قاعدة خلفية استراتيجية للجيش الجزائري.
وفي الشمال، تغطي المنطقة العسكرية الثالثة في بشار، المجهزة بقاعدة جوية رئيسية، المنطقة المقابلة لمدينة فكيك وجزءً من المنطقة العازلة التي ترصدها بعثة المينورسو. وفي المقابل، توسع الانتشار تدريجيا، كما كشفت الصحافة الجزائرية، ولا سيما صحيفة الشروق، في ماي 2020. وذكرت التقارير أن الجزائر قررت إنشاء قاعدة عسكرية استراتيجية بالقرب من قاعدة جرادة المغربية. وقد أشار الرئيس تبون إلى المشروع علنا، مما ساهم في إضفاء المصداقية على وجوده. رغم أن تنفيذ هذه الإجراءات لا يزال سريا، فقد ثبت أن المنطقة الحدودية لولاية تبسة شهدت وصول تعزيزات كبيرة وبناء بنية تحتية عسكرية جديدة بين عامي 2021 و2022.
وعلى نطاق أوسع، أُقيمت سلسلة من المواقع العسكرية والحاميات الصغيرة المحصنة على طول الحدود الشمالية الغربية للجزائر. ويصاحب هذا الوجود البري تطور ملحوظ في البنية التحتية الحدودية. فقد شيدت الجزائر جدارا رمليا وخندقا يمتدان لما يقارب 700 كيلومتر، معززين بمسارات وأجهزة استشعار وكاميرات مراقبة. ويمتد هذا «الخندق» بشكل خاص إلى قطاعي بني ونيف وبشار. وينضاف إلى هذا الانتشار الخطي، جرى تحصين نقاط الوصول بشكل منهجي، حيث تمت إقامة الأسلاك الشائكة والسواتر الرملية ونقاط المراقبة، مما حول الحدود إلى خط منيع ومراقب بشكل مكثف.
ثمن اغتصاب الأراضي: عرقلة المغرب الكبير، و«سيادة» جزائرية زائفة
إن هذا التواجد العسكري الدائم ليس مجرد جواب أمني، بل هو قبل كل شيء اعتراف بالضعف. فخلف التأكيد المتواصل على السيادة يكمن قلق أعمق، يكاد يكون وجوديا: الحاجة إلى الدفاع باستمرار عن أراض لا تزال شرعيتها موضع نزاع، سواء خارجيا أو في أعماق الذاكرة الإقليمية. وهكذا تجد الجزائر نفسها في وضعٍ غير مريح، لا هي في حالة حرب مفتوحة ولا هي في سلام حقيقي، أسيرة إرثٍ ترابي عليها حمايته كجرح لم يندمل بعد.
وهذا، في نهاية المطاف، هو ربما فاتورة عام 1962: كسب الأرض وخسارة الأفق. فالكيلومترات المربعة التي انتزعت من الدول المجاورة لم تجلب التهدئة، بل أنتجت ليالي طويلة من اليقظة، وميزانيات مهدورة بسبب الحدود، وعقائد مبنية على الشك، وقلق نفسي مستمر داخل الجيش الوطني الشعبي، وجغرافيا تحولت إلى نظام إنذار. وفي هذا السياق، تبقى فكرة المغرب الكبير، كفضاء للتنقل والثقة والازدهار المشترك، مجرد صيغة على مستوى القمم، وليست وليدة حدس عسكري. فالمنطقة لا تبنى بالخنادق والجدران وأجهزة الاستشعار، بل بحدود تتنفس. ومع ذلك، فالجزائر، من كثرة ما أبقت العالم بعيدا عنها، ساهمت في عزل نفسها.




