مصطفى الطوسة يكتب: زيارة لوران نونيز إلى الجزائر.. زيارة بلا جدوى؟

مصطفى الطوسة

في 23/02/2026 على الساعة 21:35

مقال رأياستؤنف الحوار الأمني مع الجزائر، كما تجلى ذلك من الاجتماعات المتعددة والمطولة بين كبار المسؤولين الأمنيين في البلدين، إلا أن القضايا الرئيسية التي تعكر صفو العلاقات بين الجزائر وباريس لا تزال عالقة.

مهما بدا ذلك مثيرا للدهشة، لم يعقد أي مؤتمر صحفي خلال زيارة وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز إلى الجزائر. وقد ساد حماس كبير قبل مغادرته، وتساؤلات عديدة حول إمكانية تحسين العلاقات بين باريس والجزائر من خلال هذه الزيارة، وترقب شديد لنتائجها المحتملة. ثم ساد صمت مطبق.

حتى في الخرجات الإعلامية الكبرى للوران نونيز لدى عودته إلى باريس، لم يكن الشاغل الرئيسي هو الجزائر، بل هو كيفية تعامل إدارته مع الأزمة السياسية الداخلية التي اندلعت إثر مقتل الناشط اليميني المتطرف كوينتين ديرانك على يد أفراد ينتمون إلى اليسار المتطرف ومقربين من حركة «فرنسا الأبية». وعندما سُئل لوران نونيز، في نهاية المقابلات، عن زيارته للجزائر، عاد ليتقمص دوره كتقني أمني، واقتصر في تعليقاته الموجزة على الحد الأدنى.

صحيح أن لوران نونيز كان قد حدد، قبل مغادرته، سقف وطموحات زيارته: إعادة إحياء الحوار الأمني بين البلدين. إلا أنه لم يلتزم بانتزاع وعد من السلطات الجزائرية بإصدار عشرات الآلاف من التصاريح القنصلية الضرورية لترحيل الجزائريين الصادرة بحقهم أوامر بمغادرة التراب الفرنسي. كما لم يلتزم بإعادة الصحفي الرياضي الفرنسي كريستوف غليز، المسجون في الجزائر بتهم خطِرة تتعلق بالإرهاب.

في ما يتعلق بأوامر مغادرة التراب الفرنسي وقضية كريستوف غليز، عاد لوران نونيز إلى أسلوبه كرجل استخبارات معتاد على الصمت والاكتفاء بالتلميحات. صحيح أن الحوار الأمني مع الجزائر قد استؤنف، كما يتبين من الاجتماعات المتعددة والمطولة بين كبار المسؤولين الأمنيين في البلدين، إلا أن القضايا الرئيسية التي تعكر صفو العلاقات بين الجزائر وباريس لا تزال عالقة. لم تقدم أي وعود حاسمة بأن النظام الجزائري، بعد أن لعب بورقتي التعطيل والرفض، سيرحب بالجزائريين المطرودين. كما لم تظهر أي بوادر، سياسية أو إعلامية، تشير إلى أن كريستوف غليز سيحظى قريبا بعفو رئاسي مماثل للعفو الذي صدر بحق بوعلام صنصال من خلال وساطة ألمانية.

وتجدر الإشارة إلى أنه لتحقيق كل هذه الأهداف، كان على لوران نونيز أيضا تقديم تنازلات وهدايا للنظام الجزائري. أصل هذه الأزمة كان هو اعتراف فرنسا بسيادة المغرب على صحرائه، وهي التي تشكل نقطة الخلاف الرئيسية في هذه العلاقة. اعتقدت الجزائر أن سياسة شد الحبل السياسي والأمني مع باريس سيدفع الدبلوماسية الفرنسية إلى إعادة النظر في موقفها. إلا أن الزمن أبان أن قرار الاعتراف بمغربية الصحراء كان خيارا استراتيجيا، لا مجال للتراجع عنه أو مراجعته.

وقبلت الجزائر في نهاية المطاف بالأمر الواقع وتوقفت عن إثارة الموضوع في مباحثاتها مع باريس. حتى الرئيس عبد المجيد تبون، الذي كان يعرف بمسارعته لدعم قضية الصحراء، انتهى به الأمر في نهاية المطاف إلى التوقف عن إثارتها. وهذا مؤشر على إعادة تنظيم الأمور داخل النظام الجزائري.

لكن بين فرنسا والجزائر تبقى قضية شائكة عالقة، يصعب تقييمها رغم الجهود الحثيثة التي يبذلها الوزير لوران نونيز، المولود في وهران. ويتعلق الأمر بقضية أمير دي زاد. وقد تورّط في هذه القضية، المتعلقة بمحاولة الاختطاف والاحتجاز والإرهاب، عملاء جزائريون يعملون تحت غطاء دبلوماسيين. وقد أُلقي القبض على بعضهم في فرنسا، فيما يُلاحَق آخرون بموجب مذكرات توقيف دولية.

وإذا لم يبادر الرئيس إيمانويل ماكرون إلى إرضاء صديقه عبد المجيد تبون، ويأمر وزير العدل جيرالد دارمانان بإلغاء هذه المتابعات، فلن يكون هناك حلٌ لوقف هذه الآلة القضائية. لا يملك ماكرون ولا دارمانان، رغم حسن نواياهما، القدرة على التدخل في هذه الدينامية القانونية.

يكمن الخطر الأكبر الذي يهدد نظام تبون في أنه إذا ما اتخذت هذه المسطرة مسارها الطبيعي -ولم لا؟-، فلن تتوقف أصابع الاتهام في النظام القضائي الفرنسي عند عدد من الأمنيين ذوي الرتب الدنيا، بل ستستهدف نخبة الأمن الجزائري، تلك النخبة نفسها التي تتلقى أوامرها وتوجيهاتها مباشرة من الرئيس تبون.

إن الأزمة الفرنسية الجزائرية معقدة لدرجة أن حتى الخبير الأمني لوران نونيز لن يكون قادرا على حلها. ومن هنا جاءت اللهجة المتحفظة والمتواضعة لخليفة برونو ريتايو، الرجل الذي لم يكن يطيقه النظام الجزائري.

لقد وضع لوران نونيز بلا شك الأسس لحوار أمني بعد قطيعة سياسية طويلة. إلا أنه لا يبدو أنه عبّد الطريق أمام مصالحة حقيقية بين البلدين، والدليل على ذلك أنه لم يتخذ أي قرار بعد بشأن إعادة السفيرين الجزائري والفرنسي. صحيح أن إطار الحوار بين الأجهزة الأمنية موجود، لكن الأسباب الجذرية للأزمة لا زالت قائمة.

تحرير من طرف مصطفى الطوسة
في 23/02/2026 على الساعة 21:35