ولد جميل عازر عام 1937 في مدينة الحصن بالأردن، وحمل معه شغف الكلمة منذ بداياته المبكرة. انطلق مساره المهني من الإذاعة الأردنية في الستينيات، لكن المحطة التي صقلت شخصيته الصحفية كانت في لندن، وتحديدا داخل مبنى «بوش هاوس» العريق، حيث انضم إلى هيئة الإذاعة البريطانية «BBC» عام 1965.
على مدار نحو ثلاثين عاما في لندن، تدرج عازر في وظائف صحفية متعددة، من مترجم ومقدم برامج إلى مخرج إخباري. هناك، تشرب المدرسة المهنية التي تقوم على الدقة والموضوعية، وهي المبادئ التي ظل وفيا لها طوال مسيرته، حتى لُقب بين زملائه بـ«شيخ المذيعين».
مؤسس الهوية وواضع الشعار
في منتصف التسعينيات، كان جميل عازر ضمن كوكبة من الصحفيين الذين غادروا لندن للمشاركة في تأسيس تجربة إعلامية عربية رائدة في الدوحة. ولم يكتف عازر بكونه أول من ظهر على شاشة قناة «الجزيرة» عام 1996، بل كان هو العقل الذي صاغ فلسفتها باختياره شعار «الرأي والرأي الآخر»، الذي أصبح فيما بعد مدرسة صحفية قائمة بذاتها.
داخل غرف الأخبار، لم يكن عازر مجرد مذيع يقرأ النشرة بوقار لافت، بل كان «حارسا» للغة العربية. شغل منصب مسؤول التدقيق اللغوي وعضو هيئة التحرير، وكان المرجع الأول للزملاء في ضبط المفردات وتصحيح الصياغات، مؤمنا بأن بلاغة الصحفي تبدأ من احترامه لأدوات لغته.
الملف الأسبوعي.. بصمة تحليلية
ارتبط اسم الراحل ببرنامج «الملف الأسبوعي»، الذي كان يقدم من خلاله قراءة تحليلية عميقة للأحداث العالمية. اتسم أداؤه بالهدوء والقدرة على تفكيك الملفات المعقدة بلغة بسيطة وبليغة، مما جعل منه مدرسة للأجيال الشابة التي عاصرته وتتلمذت على يديه.
«إن الصحافة مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون مهنة، والكلمة أمانة يجب صونها».. كانت هذه هي الفلسفة التي يطبقها عازر في كل ظهور له.
الوداع الأخير
بوفاة جميل عازر، تفقد الصحافة العربية مرجعا مهنيا وأخلاقيا نادرا. وقد نعاه زملاؤه بكلمات مؤثرة، مؤكدين أن رحيله يمثل نهاية حقبة ذهبية من الإعلام القائم على الرصانة والعمق. غادرنا عازر في لندن، المدينة التي شهدت انطلاقته العالمية، مخلفا وراءه إرثا غنيا ومدرسة ستظل تدرس في معاهد الصحافة والإعلام.
