تأتي قيمة هذا الكتاب في كونه يحفر في مجال بحثي صعب، بحكم صعوبة العثور على مصادر تاريخية تسعفنا على كتابة تاريخ الطب خاصة داخل مدينة بعينها. لذلك يكتسي هذا الموضوع أهمية بالغة بالنسبة للباحثين والقراء، إذْ يزوّدهم بمجموعة من المعلومات الخاصة بتاريخ الطب وممارسته داخل المجتمع الفاسي خلال الحماية.
تقول الباحثة بأن دراستها «تعتبر مجالا يعكس بوضوح تداخل الأبعاد الصحية بالخيارات السياسية الاستمارية. فقد سعت سلطات الحماية منذ السنوات الأولى، إلى إرساء بنيات صحية جديدة شملت مستشفيات ومراكز علاجية ومصالح إدارية متخصصة رافعة شعار حماية الصحة العامة غير أن جوهر المشروع كان يتمثل في تحصين الجالية الأوروبية وضمان استقرار النفوذ الاستعماري».
وفي نظر الباحثة أنه رغم ما «خفي من أهداف، فقد فتحت هذه المرافق الطبية أبوابها أمام شرائح واسعة من سكان فاس وضواحيها، فاستفاد منها الفقراء والنساء والجنود المغاربة إلى جانب مرضى الأوبئة والأمراض المزمنة التي عجز الطب التقليدي عن علاجها. غير أن هذه الخدمات لم تخلُ من أبعاد سياسية مستترة، إذ غدت أحيانا أداة للرقابة الاجتماعية ووسيلة لترسيخ الهيمنة، الأمر الذي جعل صورة الطب الاستعماري مزدوجة بين منقذٍ للمرضى ومكرّس لسلطة الاحتلال».
لذلك تعتبر أن «ما جرى بمدينة فاس وضواحيها لم يكن استثناء، بل هو صورة تعكس أوضاع معظم مناطق المغرب، حيث تكررت التجربة الصحية الاستعمارية بنفس التفاوتات بين الشعارات المعلنة وحقيقة الممارسات. ومن هنا تبرز أهمية هذه الدراسة، إذ لا تقتصر على رصد معالم التدخل الطبي الفرنسي، بل تسعى أيضاً إلى الكشف عن جذور تشكل الطب الحديث بالمغرب».




