في قلب فاس البالي، ما تزال حرفة النقش على الخشب تحافظ على حضورها داخل الورشات التقليدية المنتشرة بين الأزقة العتيقة، حيث يواصل الصناع التقليديون مزاولة هذا الفن الذي توارثوه عبر الأجيال. وبداخل هذه الفضاءات الحرفية، تتحول قطع الخشب إلى زخارف هندسية متقنة تزين الأبواب والأسقف والقطع الفنية، في تعبير واضح عن أصالة الصناعة التقليدية الفاسية واستمرارها رغم تعاقب السنين.
وفي هذا السياق، التقت كاميرا Le360 بالمعلم نور الدين الحسايني، صانع تقليدي متخصص في فن الزواق على الخشب بفندق الشماعين، ويعد من أبرز الحرفيين الذين راكموا خبرة طويلة في هذه الحرفة التي تعرف في بعض المناطق باسم «تازواقت»، بينما يطلق عليها أهل فاس اسم «الحديدة والعكري»، في إشارة إلى الأدوات والتقنيات التقليدية المعتمدة لإنجاز الزخارف الخشبية الدقيقة.
ويؤكد المعلم نور الدين أن بصمة الصانع الزخرفي حاضرة في معظم البيوت المغربية التقليدية، حيث تشكل الزخارف الخشبية الملونة عنصرا أساسيا في جمالية الفضاء المعماري، وتمتد أيضا إلى عدد من المعالم الدينية والتاريخية، من بينها جامعة القرويين وضريح مولاي إدريس الثاني، إضافة إلى المدارس العتيقة المنتشرة داخل المدينة العتيقة لفاس.
وعلى الرغم من غياب توثيق دقيق لتاريخ هذه الحرفة، إلا أن قدمها يتجلى من خلال عمر المدينة العتيقة التي تمتد لأكثر من اثني عشر قرنا وما تزخر به من معالم معمارية وزخارف شاهدة على براعة الصناع التقليديين وإبداعهم المتواصل عبر قرون.
و أبرز المعلم أن حرفة النقش على الخشب تتطلب مهارة عالية ودقة متناهية، مشيرا إلى أن الحرفيين يفضلون استخدام أخشاب صلبة وقابلة للتشكيل مثل الزان والأرز لما تتمتع به من متانة ورائحة عطرية وقيمة كبيرة، فيما تشمل أدواتهم التقليدية مقاسات متنوعة، ومطارق خشبية، إضافة إلى المقاطع الدائرية والمسطحة المستخدمة لتنظيف الزخارف وإبراز تفاصيلها بدقة، تبدأ العملية بتصميم الرسم، ثم حفر الخطوط الأساسية، يليها إبراز الزخارف بالنقش البارز أو الغائر، قبل الانتقال إلى الصقل والتشطيب، وأخيرا طلاء الخشب لحمايته والحفاظ على جماليته.
وأكد المعلم أن المواد التي يعملون بها في فن تازواقت طبيعية 100% وتتنوع بين خشب الأرز الصلب، بينما تستخدم الأقلام التقليدية الخاصة بالصباغة والتي يصنعونها بأيديهم من شعر رقبة الحمار، لضمان دقة التلوين وتحقيق الزخارف بشكل متقن، مشيرا إلى أن الأعمال على الأسقف تنجز على شكل قطع منفصلة، وتركب لاحقا في المكان الذي يحدده الزبون، مع الحرص على إضفاء لمسة فنية متميزة لكل قطعة.
وأشار المعلم نور الدين إلى أن تعلم الحرفة كان جزءً من تراث متوارث، حيث كان الآباء يجبرون أبنائهم على الالتحاق بالمعلم لتلقي أساسيات النقش والزخرفة، ورغم شعورهم آنذاك بالحرمان من اللعب، أدركوا لاحقا القيمة الحقيقية لهذه التجربة، إذ اكتسبوا مهنة ثمينة وفنا لا يقدر بثمن.
وأوضح المتحدث أن ما يفتقده الواقع اليوم هو الاهتمام بنقل هذه الحرفة للناشئة عبر المدارس أو المعاهد المتخصصة، مؤكدا أن مهمتهم كمعلمين تتجاوز مجرد ممارسة الحرفة، فهي رسالة للحفاظ على التراث، حيث يلتزمون بتعليم الأساسيات لأي جيل راغب في التعلم، مع نقل خبراتهم وتجاربهم لضمان تمكين الشباب من إتقانها والحفاظ على أسس الصناعة التقليدية المغربية، وضمان استمرارها كرمز حي للهوية الفنية والثقافية من بعدهم.



