على مدار سنوات تبوّأت أكاديمية المملكة المغربية مكانة كبيرة داخل البحث العلمي بالمغرب. مكانة لا تُضاهيها مؤسسّة أخرى من حيث البحث وتقديم خدمات جليلة للثقافة المغربية في مجالات مختلفة تتعلّق بالتاريخ والفلسفة والأدب والفن والتراث وغيرها من المعارف الأخرى ذات الصلة بالعلوم الإنسانية والاجتماعية. بل إنّ الأكاديمية المؤسّسة منذ عام 1977 والمُتمتعة بالشخصية الاعتبارية في إطار القانون العام وكذا الاستقلالية المالية، أضحت منارة ساطعة على مُستوى الإنتاج الفكري. وذلك من خلال ما تقترحه من برامج ثقافية واسعة طيلة السنة، بكل ما يتّصل بها من ندوات ولقاءات وقراءات ومحاضرات تُغني البحث العلمي المغربي، وتجعله مختبراً معرفياً قوياً قادراً على تحقيق جدل فكري مع الآخر. وتُعوّل الأكاديمية على دعم الإنتاج المغربي، بمختلف أنماطه الفكرية ومقوّماته الثقافية وتعبيراته الفنية والجماليّة، بما يجعل هذا الإنتاج الفكري يخدم واقع البلد وتاريخه وذاكرته.
تعتمد ندوات ولقاءات الأكاديمية على نوع من المقاربة المزدوجة الفعّالة التي تقرأ راهن البحث العلمي المغربي، وفق رؤية مختلفة تقوم على العودة إلى جذور الثقافة المغربية وبواكيرها الأولى، وفي نفس الوقت التطلّع إلى الراهن، بكلّ ما يدور في رحابه من تغيّرات وتحوّلات ذات أثر بيّن على واقع هذه الثقافة. ففي كلّ لقاء علمي تستقبل الأكاديمية ثلة من المفكّرين العالميين الذي يُساهمون بزادهم الثقافي في تقديم رؤية حداثية للثقافة المغربية وتقاطعاتها مع ثقافات من العالم العربي والعالم ككلّ.
منذ اللحظة التي تم فيها تفعيل الأكاديميّة وتجديد هيكلتها، بما يتماشى مع دستور المغرب والرامي إلى صون الهوية الوطنية، حقّقت هذه المعلمة الأكاديمية تحوّلاً كبيراً في تاريخها، بعدما تم استحداث مجموعة من المعاهد المُلحقة بالأكاديمية مثل « المعهد الملكي للبحث في تاريخ المغرب »، ثم « المعهد الأكاديمي للفنون » على سبيل المثال لا الحصر. وتسعى كل هذه المعاهد العلمية التي تُعتبر بمثابة شرايين الأكاديمية على البحث والتنقيب في تاريخ الثقافة المغربية من مختلف جوانبها وفروعها. حتّى بات يُطالعنا سنوياً أعداد هائلة من الندوات العلمية التي تمزج في اشتغالاتها بين الثقافة العربيّة ونظيرتها الغربية. بهذه الطريقة حرصت الأكاديمية على استقبال كبار الباحثين والمتخصصين في العالم بمجالات تتعلّق بالفلسفة والآداب والفنون والسوسيولوجيا وغيرها، حتّى باتت المؤسّسة بمثابة مختبر حقيقي للباحثين من مختلف الجنسيات.
تلعب المؤسّسة دوراً كبيراً على مستوى الدبلوماسي، بحيث باتت تُقدّم إشعاعاً ثقافياً قوياً للمملكة المغربية في علاقتها بالآخر. كما أضحت تقوم بدور هام على المستوى الدبلوماسي المُوازي، وذلك من خلال جعل الإنتاج الثقافي قاطرة لمحاورة الآخر وتقديم صورة ناجعة عن الإمكانات التاريخية والحضارية التي يحظى بها المغرب، مقارنة بدول الجوار. بل إنّ خصوصية المغرب التاريخية والحضارية وواقعه الاستراتيجي المُطلّ على واجهتين بحريتين، أتاحت له العديد من الخصوصيات السياسية والدبلوماسية والاقتصادية، بما جعل الكثير من الدول الأوروبية وغيرها تتفاعل مع كافّة أنشطته وتوجّهاته ومبادئه ومواقفه، وتسعى جاهدة إلى نسج علاقة صداقة وجوار معه عبر تجذير العلاقة وتكريس قيم التعاون والاعتراف.
أضحى المغرب اليوم، يحظى بثقل دبلوماسي كبير داخل الوسط السياسي الدولي. ليس بسبب عمقه التاريخي ونجاعته الدبلوماسية الرسمية فقط، بل أيضاً بسبب الجانب المُوازي الذي تُمثّله السينما والموسيقى والآداب والمعاهد الثقافية والأكاديمية وتعمل على تكريسه، بوصفه معطى محلي يُساهم في تقديم صورة عن المغرب وما يحبل به من ثقافة وفنون. نفس الأمر، تُمارسه « أكاديمية المملكة المغربية » من خلال عدد كبير من ندواتها الدولية التي تصونها فيها « الهوية » الوطنية وتسعى جاهدة إلى تفجير مكنوناتها، سياسياً وثقافياً ودبلوماسياً وفنياً.




