وتعود جذور البلغة الزيوانية إلى قرون خلت، حينما ازدهرت صناعة الجلود بفاس، وأصبحت جزءً من الحياة اليومية للأهالي، وكانت تُستخدم بشكل أساسي من قِبل الطبقة المخملية والوجهاء بفضل جودتها العالية، كونها تُحاك بدقة متناهية لتناسب مختلف المناسبات، سواء اليومية أو الاحتفالية.
ويُعرف الحرفيون الفاسيون بدقة التفاصيل في الخياطة والتطريز، حيث تستغرق كل قطعة مدة يوم في الاشتغال، ما يجعلها بمثابة عمل فني فريد، وهو ما أكده عبد الرحيم الزريفي، صانع تقليدي في البلغة الزيوانية بالسبيطريين، الذي استطاع أن يترك بصماته في عالم الصناعة التقليدية بالمدينة العتيقة لفاس.
ويحكي هذا الصانع، في حديثه إلى Le360، عن تعلقه بهذه الحرفة، التي أعطاها كل وقته وجهده وتفكيره لما يقارب 40 سنة، والتي تعد رمزا للأناقة المغربية ولا تزال تحظى بشعبية كبيرة، خاصة خلال المناسبات الدينية والاحتفالات التقليدية مثل الأعراس والأعياد، كما أن الإقبال المتزايد عليها في الأسواق العالمية ساهم في تعزيز مكانتها الدولية.
وتمر صناعة البلغة الزيوانية، حسب المتحدث ذاته، من عدة مراحل يدوية دقيقة، تتطلب خبرة ومهارة عالية، تصنع من جلود طبيعية عالية الجودة، مثل جلد الماعز أو البقر، حيث يتم دبغها ومعالجتها بطرق تقليدية تمنحها المتانة والنعومة، وتُصبغ باللون الأصفر الفاقع، الذي يرمز إلى الفخامة والأصالة في الثقافة المغربية، بينما النعل، فيُصنع عادةً من الجلد أو المطاط ليضمن راحة أكبر عند المشي.
وبعد ذلك، تأتي مرحلة القص والتشكيل، حيث يُقطع الجلد إلى أجزاء محددة لتشكيل الهيكل الأساسي للبلغة، وتخاط الأجزاء معا يدويا باستخدام خيوط قوية، وقد تُضاف زخارف تقليدية أحيانا، تُضاف بعد ذلك الطبقة السفلية للبلغة، ويتم تنعيم حوافها للحصول على منتج متكامل.
ورغم أهميتها التراثية، وما تواجهه من تحديات كبيرة، أبرزها قلة الحرفيين المهرة بسبب عزوف الشباب عن تعلمها، بالإضافة لارتفاع تكلفة المواد الأولية، ناهيك عن المنافسة مع المنتجات العصرية، تبقى البلغة الزيوانية الفاسية شاهدة على عبقرية الصانع المغربي وإبداعه المتجدد، كرمز من رموز الأناقة المغربية، محافظة على هوية متوارثة بين الأجيال، بفضل جهود الحرفيين الذين يسعون للحفاظ على هذا التراث الأصيل.
مرحبا بكم في فضاء التعليق
نريد مساحة للنقاش والتبادل والحوار. من أجل تحسين جودة التبادلات بموجب مقالاتنا، بالإضافة إلى تجربة مساهمتك، ندعوك لمراجعة قواعد الاستخدام الخاصة بنا.
اقرأ ميثاقنا