وتأتي قيمة هذا الكتاب في كونه أولا ينزع عن العملية النقدية قداستها ويجعلها مشاعة بين مختلف الكتاب والمخرجين وعشاق السينما لتقديم مواقفهم ومفاهيمهم للسينما، بعيداً عن المنزع الأكاديمي الذي أصبح يتملّك الممارسة النقدية ويجعلها خاصة به. لذلك فإن بروز مجموعة من المخرجين القلائل الذين يطرقون باب الكتابة «النقدية» من شأنه أن يوسّع أفق التفكير في الصورة السينمائية ومتخيلها بما يجعل الفن السابع يفتح لنفسه آفاقاً كبيرة على مستوى داخل البحث العلمي.
في تجربة محمد الشريف الطريبق، تبرز الكتابة باعتبارها امتدادا تلقائياً لتجربة سينمائية تحاول أن تصنع لنفسها بعضا من الصور المتخيلة. لكن الكتابة ليست عملية لاحقاً على الفعل السينمائي، بل يتقدمان ببطء في تجربة صاحب «زمن الرفاق» وينسجان معاً أفقاً فنياً مشتركاً.
على الأساس، يعد الطريبق من الوجوه السينمائية المضيئة في المغرب التي ظلّت في أفلامها تراهن على الشرط الملتزم كأساس فني في بناء الصورة السينمائية، ذلك أن أفلامه تتوفر على إمكانات جمالية وقدرة فكرية تحول المشهد إلى وسيلة للتفكير في بعض من الأعطاب التي تطبع الجسد في علاقته بالمجتمع.
يقول في كتابه الجديد «هناك أفلام شكلت لحظات فارقة في تجربتي، ليس فقط لمضمونها وأسلوب إخراجها، بل للطريقة التي دخلت بها حياتي الشخصية. أحياناً تكون التجربة مرتبطة بالزمان والمكان، أحيانا بالشخص الذي شاهدت معه الفيلم، وأحياناً بطريقة العرض نفسها، سواء في قاعة السينما أم على شاشة صغيرة في البيت أو أثناء انتظار حافلة أو حتى أثناء رحلة طويلة بالقطار».
يضيف « هناك أفلام تمنحك إحساساً بأنك تتابع حكاية حياتك، أو على الأقل جزاءا منها وكأنك تعرف الشخصيات قبل أن تظهر على الشاشة. والحق أنني مع بعض هذه الأفلام، عشت تجربة عاطفية قبل أن تكون معرفية، إن تصبح التفاصيل الصعيرة(حركة يد، ضحكة، نظرة، إطار مضا بنور خافت) أحداثا لا تنسى تتكرر في الذاكرة مع مرور الزمن وكأنها جزء من يومياتك الخاصة».
