المدرسة العتيقة بقصبة الدورة.. منارة قرآنية شمال العيون تُحيي تقاليد التحفيظ على الطريقة المغربية

المدرسة العتيقة بقصبة الدورة، شمال مدينة العيون

في 10/03/2026 على الساعة 08:00

فيديوتواصل المدرسة العتيقة بقصبة الدورة، بإقليم طرفاية شمال مدينة العيون، أداء رسالتها الدينية والروحية باعتبارها منارة لتحفيظ القرآن الكريم على الطريقة المغربية الأصيلة، وفضاء علميا يستقطب عددا من طلاب العلوم الشرعية من مختلف مدن وجهات المملكة. وتعتمد المؤسسة المذهب المالكي، مساهمة بذلك في نشر القيم السمحة ومبادئ الاعتدال والوسطية، وفق منهج تربوي يجمع بين الحفظ والتلقين والفهم والتكرار والاستظهار، وهي الأساليب التقليدية المعتمدة في المدارس العتيقة بالمغرب.

ولتقريب متابعي Le360 من أجواء هذا الصرح العلمي، انتقل مراسلنا إلى المدرسة العتيقة بقصبة الدورة، التي تبعد بنحو 40 كيلومترا شمال مدينة العيون عبر الطريق السريع تيزنيت–الداخلة، قبل مواصلة الرحلة لمسافة تقارب خمسة كيلومترات شرقا عبر مسلك قروي غير معبد، لنصل إلى فضاء تربوي وروحي يشرف على تسييره متطوعون، يتقدمهم رئيس جمعية قصبة الدورة محمد خر، الذي أكد، في تصريح للموقع، أن المدرسة تعرف تطورا ملحوظا بفضل دعم المحسنين، إضافة إلى التسهيلات والإجراءات التي تحظى بها من طرف السلطات المعنية.

وأوضح المتحدث أن المدرسة تضم حاليا نحو 30 تلميذا وطالبا يقيمون بها بشكل دائم باستثناء فترات العطل، حيث توفر لهم المؤسسة بيئة تربوية مناسبة للتفرغ لحفظ القرآن الكريم، من خلال توفير ظروف ملائمة تشمل الإيواء والإطعام. كما أشار إلى أن المدرسة تمكنت من تجاوز عزلتها الجغرافية بعد ربطها بشبكة الكهرباء، بعدما كانت تعتمد في السابق على الطاقة الشمسية التي لا تزال تُستعمل كبديل احتياطي.

وأضاف أن المؤسسة شرعت أيضا في بناء دار للضيافة تتسع لأكثر من 130 سريرا، لاستقبال الوفود والزوار الذين يقصدون المدرسة بين الفينة والأخرى، فضلا عن مشروع مسجد خاص بطلبة المدرسة بلغت نسبة الأشغال به نحو 70 في المائة، إلى جانب مرافق أخرى، من بينها مشروع ملعب مقابل لباب المؤسسة، في إطار تنويع الأنشطة الداخلية والخارجية وتعزيز انفتاح المدرسة على محيطها.

وخلال تصوير هذا الربورتاج، التقينا الطالب محمد الزاتي، الذي أتم حفظ القرآن الكريم بهذه المدرسة، حيث عبّر عن امتنانه لكل من ساهم في إنجاح هذا الورش التربوي والروحي. كما تحدث عن الطريقة التقليدية المعتمدة في التحفيظ، والتي تبدأ بالتلقين بمشاركة الفقيه، مرورا بالكتابة على اللوح الخشبي باستخدام الحبر التقليدي، ثم مرحلة الاستظهار أو «العرض على الفقيه». وبعد ذلك يُمحى اللوح بالماء ويُطلى بطبقة رقيقة من الطين أو الصلصال، قبل أن يُجفف تحت أشعة الشمس لتصبح الكتابة واضحة استعدادا للحفظ والمراجعة.

من جهته، أكد موسى الحبيب، المشرف على المدرسة العتيقة بقصبة الدورة، في تصريح لـLe360، أن المؤسسة تعتمد المرجعيات نفسها التي تؤطر التعليم الديني بالمغرب تحت إشراف وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، وعلى رأسها الفقه المالكي السني القائم على الاعتدال والوسطية وقيم التسامح والسلم، وهي المبادئ التي يتربى عليها الطلبة داخل هذه المؤسسة.

وأشار إلى أن الإقبال على المدرسة يتزايد سنة بعد أخرى بفضل الظروف التي توفرها لطلبة العلم الشرعي، بما في ذلك تعليم قواعد التجويد. كما رصدت كاميرا الموقع جانبا من هذه الأنشطة، من بينها مسابقة في التجويد جمعت بين بعض تلاميذ المدرسة وتلاميذ إحدى المؤسسات الخاصة، في إطار أنشطة مشتركة تشمل أيضا لقاءات تربوية وفطورا جماعيا بحضور عدد من أولياء الأمور.

وخلال التصوير، لفت انتباهنا أن طلبة المدرسة لا يستعملون الهواتف النقالة حتى خلال فترات الاستراحة. وباستفسارنا عن السبب، أوضح بعض التلاميذ أن إدارة المؤسسة تفرض قيودا صارمة على استعمال الهواتف، حيث يسمح بها فقط خلال يومي الراحة الأسبوعية، الأربعاء والخميس، فيما توفر المدرسة وسائل تواصل بديلة بين التلاميذ وأسرهم، بما في ذلك الزيارات المباشرة، إضافة إلى وسيلة نقل وضعتها المؤسسة رهن إشارتهم لتسهيل التنقل ذهابا وإياب.

ويُشار إلى أن الإقبال على حفظ القرآن الكريم في المغرب يظل كبيرا، إذ تشير معطيات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية إلى وجود ما يفوق 11 ألف كتاب قرآني بمختلف جهات المملكة، يستفيد منها ما يقارب 450 ألف متمدرس من الأطفال والناشئة. كما تحتضن آلاف المساجد دروسا لمحو الأمية وتعليم مبادئ القراءة والكتابة والقرآن الكريم في إطار البرنامج الوطني لمحو الأمية بالمساجد الذي أطلق سنة 2000، والذي استفاد منه أكثر من أربعة ملايين شخص منذ انطلاقه، مع تسجيل عشرات الآلاف من المستفيدين سنويا في مختلف مناطق البلاد.

ويبدأ مسار حفظ القرآن الكريم لدى كثير من المغاربة منذ سن مبكرة، حتى أصبح جزءً من التقاليد والعادات المتجذرة في المجتمع، خاصة خلال المناسبات الدينية وشهر رمضان، حيث تكثر المسابقات القرآنية، في تجلٍ واضح للمكانة التي يحظى بها كتاب الله في وجدان المغاربة، الذين يعتمدون في تلاوتهم في الغالب على رواية ورش عن نافع، إحدى السمات البارزة للهوية الدينية المغربية.

تحرير من طرف حمدي يارى
في 10/03/2026 على الساعة 08:00