وفي تقديم الكتاب يرى المؤلف بأن «الرحلات الحجية الحجازية من المصادر التاريخية الغنية التي تشكل مادة خصبة للأبحاث الأكاديمية، خاصة في مجالات التاريخ والسوسيولوجيا والأنثروبولوجيا. فقد ارتبطت الرحلة إلى الحج، منذ فجر الإسلام، بوصف تفصيلي دقيق لمختلف مراحل السفر والمناطق التي مر بها الحاج، سواء في العالم الإسلامي أو خارجه، مما وفر وثائق تاريخية متعددة الأبعاد. إن توظيف هذه الرحلات في البحث الأكاديمي التاريخي لا يقتصر على الجانب الديني، بل يتعداه ليشمل الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية والعمرانية، ناهيك عن مظاهر التفاعل الحضاري بين الشعوب الإسلامية».
وحسب مصطفى الريس فقد « شهدت السنوات الأخيرة اهتماما متزايدا من قبل الباحثين بالرحلات الحجية، يعكس وعيا متزايدا بقيمتها العلمية، سواء كمصدر تاريخي أولي، أو كخطاب ثقافي يستدعي التأويل النقدي. وهو اهتمام لم يأت من فراغ، بل يعكس تحولات معرفية ومنهجية في حقل العلوم الإنسانية. لقد أضحت هذه الرحلات، التي طالما وصفت بأنها مجرد سرديات دينية أو شخصية، مصدرا غنيا ومتعدد الأبعاد، يسهم في إعادة قراءة التاريخ الإسلامي من منظور أكثر اتساعا وتداخلا بين التخصصات».
لذلك يفسر هذا الاهتمام المتنامي في نظره «بجملة من المبررات المعرفية والمنهجية والسياقية التي دفعت الباحثين إلى إعادة اكتشاف هذا النوع من المتون النصية بوصفه خزانا للمعلومات والتمثلات التاريخية والاجتماعية، ومن أبرز هذه المبررات، التحول المنهجي الذي عرفته الدراسات التاريخية، حيث انتقل الباحثون من التركيز على الوقائع السياسية الكبرى إلى دراسة الحياة اليومية والتمثلات الجماعية والذاتية. وقد وفرت الرحلات الحجية مادة غنية لتطبيق هذا التوجه، نظرا لما تحتويه من أوصاف دقيقة لمظاهر الحياة الاجتماعية والثقافية والاقتصادية».
من هنا تأتي أهمية الكتاب الذي يعنى بالرحلة الحجية الحجازية «التي دونها محمد بن علي دينية سنة 1917م (1335)، باعتبارها دونت في فترة الحماية التي تعد واحدة من أخصب الفترات بشأن تدوين الرحلات الحجية و المشرقية بصفة عامة، وهي رحلة لا يمكن تناولها بمعزل عن السياق السياسي والاستعماري الذي ظهرت فيه، إذ كانت فرنسا تنظر إلى الحج، في تلك المرحلة الحرجة من الحرب العالمية الأولى، باعتباره رهانا سياسيا بالغ التعقيد يتجاوز كونه مجرد شعيرة دينية.
لهذا احتل الحج موقعا محوريا ضمن ما اصطلح عليه بـ«السياسة الإسلامية» للمقيم العام ليوطي، الذي اعتبر أن ضبط حركة الحجاج وتنظيم رحلاتهم نحو الديار المقدسة يمثل أولوية استراتيجية تندرج في إطار السيطرة على المجال الديني وإحكام الرقابة على مؤسساته وأبعاده الرمزية. ولهذه الغاية أنشأت الإدارة الاستعمارية بنيات تنظيمية خاصة تولت مهمة الإشراف المباشر على قوافل الحجاج والإنفاق عليها، بما يضمن توجيهها وفق مقتضيات السياسة الفرنسية».
ويرى المصطفى الريس بأن هذا الإنجاز العلمي «جاء استجابة لنداءات العديد من الباحثين المهتمين بأدب الرحلة، والذين شددوا على ضرورة الالتفات إلى دراسة المتون الرحلية وتحقيقها، خصوصا تلك التي كتبت خلال فترة الحماية الفرنسية في المغرب، والتي ما تزال في غالبيتها مخطوطة لم تنل حظها من العناية العلمية».




