وأشار التقرير إلى أن هذا الهدر يعادل حوالي 22٪ من مجموع الإنتاج الوطني، وهي كمية كان يمكن أن تساهم في إعادة تشجير نحو 87.500 هكتار، مضيفا أن هذه الاختلالات تأتي في سياق بيئي حساس، تعرف فيه عدة مناطق من المملكة تسارعا مقلقا لزحف الأتربة، وتدهورا واضحا في التربة، نتيجة غياب التشجير، وضعف استعادة الغطاء الغابوي، ما يجعل هذه الأرقام تتجاوز بعدها المحاسباتي لتطرح إشكالا بيئيا وتنمويا عميقا.
وأبرز المصدر ذاته أنه في الوقت الذي راهن فيه المغرب، من خلال استراتيجية “غابات المغرب 2020–2030”، على إعادة تشجير 600 ألف هكتار، وتعزيز أدوار الغابة الوقائية والإيكولوجية، فإن فجوة واضحة بين الطموحات المعلنة والتنفيذ الميداني، سواء من حيث غياب تحديد دقيق للأهداف الوظيفية للتشجير، أو ضعف توزيع المساحات المبرمجة حسب الغايات الوقائية والإنتاجية والترفيهية، مبينا أن هذه الفجوة تظهر بشكل جلي في محدودية الإنجاز، إذ لم تتجاوز المساحات التي تمت إعادة تشجيرها فعليا خلال الفترة 2022–2024 حوالي 57.546 هكتارا من أصل 139.860 هكتارا مبرمجة، بنسبة إنجاز لا تتعدى 41 في المائة، وهو ما يعكس قصورا بنيويا في التخطيط والتتبع والتقييم.
ويكتسي هذا القصور، حسب التقرير نفسه، خطورة مضاعفة إذا ما ربط بسياق التغيرات المناخية التي تشهدها المملكة، حيث يؤدي ضعف الغطاء النباتي وغياب الأحزمة الخضراء إلى تفكك التربة، وتسارع زحف الأتربة، خاصة في المناطق الجافة وشبه الجافة، ما ينعكس مباشرة على استقرار المنحدرات وحماية الأراضي الفلاحية والواحات والمراكز السكنية، حيث أظهرت الفيضانات والانزلاقات الأرضية الأخيرة، التي عرفتها عدة أقاليم، خاصة بشفشاون والحسيمة، أن غياب التشجير وضعف حماية المنابع والمجاري المائية يفاقمان عنف السيول، ويعجلان بتوحل السدود، وتقليص قدرتها التخزينية، في تهديد مباشر للأمن المائي والغذائي.
وسجل التقرير كذلك تدني نسب نجاح عمليات التشجير، إذ لم تتجاوز خلال موسم 2022–2023 حوالي 51 في المائة، حيث نجحت عمليات الغرس في أقل من 10 آلاف هكتار من أصل ما يقارب 19.500 هكتار، وهو ما يعكس إشكالات تتعلق بجودة الشتلات، وظروف إنتاجها وتخزينها، مشيرا إلى أن عددا كبيرا من الشتلات المخزنة لم تحفظ في شروط تقنية ملائمة، ما أدى إلى إصابتها بالأمراض، واختلال نموها وفقدان قدرتها على التأقلم بعد الغرس، الأمر الذي يُحول عمليات التشجير إلى مجهود مكلف ضعيف الأثر البيئي.
وتبرز هذه الاختلالات أيضا، من خلال ضعف استغلال المشاتل الغابوية، فرغم توفر الوكالة على 62 مشتلا بطاقة نظرية تقارب 64.7 مليون شتلة سنويا، فإن 26 مشتلا فقط تستغل فعليا بطاقة لا تتجاوز 36.45 مليون شتلة، بسبب تقادم التجهيزات، وضعف البنيات التحتية، وصعوبات التزويد بمياه الري ونقص الابتكار والموارد البشرية المؤهلة، وهو ما دفع بالمجلس الأعلى للحسابات إلى طرح تحديات حقيقية أمام تلبية الحاجيات المستقبلية، المقدرة بحوالي 75 مليون شتلة سنويا في أفق 2030، في وقت يتسارع فيه تدهور التربة، واتساع رقعة التصحر وزحف الأتربة.
ورغم لجوء الوكالة إلى إشراك القطاع الخاص لتعويض محدودية الإنتاج، فإن التقرير سجل غياب إطار تنظيمي وتقني صارم يضمن جودة الشتلات وتتبع مسار إنتاجها، مع اعتماد دفاتر تحملات غير ملائمة لطبيعة الإنتاج الغابوي، وغياب منظومة متكاملة للتصديق ومراقبة الجودة، حيث يشكل هذا الخلل عاملا إضافيا يهدد نجاعة برامج التشجير، ويجعل آثارها البيئية غير مضمونة، خاصة في المناطق الهشة التي يفترض أن يشكل فيها الغطاء الغابوي خط الدفاع الأول ضد الانجراف وزحف الأتربة.
ولم يعتبر المجلس الأعلى للحسابات هذه الاختلالات أخطاء ظرفية فحسب، بل صنفها ضمن مؤشرات خلل بنيوي في منظومة الحكامة وتدبير الموارد العمومية، نتيجة ضعف البرمجة وغياب تدبير المخاطر، وقصور آليات المراقبة الداخلية والتتبع والتقييم، فضلا عن غياب مساءلة واضحة بشأن الإخفاقات المتراكمة، مثيرا في الوقت نفسه، تساؤلات حول مدى تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، خاصة مع استمرار القيادة الحالية للوكالة الوطنية للمياه والغابات، رغم تواتر التقارير الرسمية التي ترصد اختلالات جسيمة في قطاع استراتيجي يرتبط مباشرة بالأمن البيئي والمائي.
واعتبر مصدر بيئي، أن ما يكشفه التقرير لا يتعلق فقط بهدر مالي، بل بمسار تنموي مهدد، حيث يؤدي ضعف التشجير إلى تعرية التربة، وتسارع زحف الأتربة، وتفاقم مخاطر الفيضانات والانزلاقات، وتراجع خصوبة الأراضي وتوحل السدود، بما يحمله ذلك من كلفة اقتصادية واجتماعية وبيئية باهظة، مضيفا أن هذا الوضع لم يعد مسألة تقنية أو قطاعية، بل رهان استراتيجي يستدعي إصلاحا مؤسساتيا عميقا، يعيد الاعتبار للتخطيط والنجاعة والجودة والمساءلة، ويربط التمويل العمومي بنتائج ملموسة وقابلة للقياس، ويجعل من التشجير أداة حقيقية لحماية التربة والموارد المائية ومواجهة زحف الأتربة، بدل أن يتحول إلى أرقام إنتاجية بلا أثر على الأرض.



