كان من الممكن، بل من المفترض، أن تحدث الصدمة الكبرى في أكتوبر الماضي، يوم أقرت الأمم المتحدة خيار الحكم الذاتي، وبالتالي سيادة المغرب على صحرائه. وإذا كانت هذه الصدمة قد هزت قناعاته، فإن النظام الجزائري ظن أنه قادر على الحد من آثارها. ومن هنا جاءت الخرجات العديدة من الدبلوماسية الجزائرية في محاولة لإقناع الرأي العام بأن هناك مسارات أخرى لا تزال ممكنة، وأن المعركة لم تحسم بعد.
كان الهدف من هذه الاستراتيجية واضحا، وهو تجنب الاعتراف بهزيمة ساحقة. فالاعتراف بأن الأطروحة الانفصالية قد أقبرت دوليا بشكل لا رجعة فيه كان بمثابة رفع الراية البيضاء أمام انتصار المغرب. وبدلا من ذلك، أعطت الجزائر لأبواقها ومؤثريها التعليمات من أجل الترويج لفكرة «الغموض الكبير» الذي يحوم حول القضية، وبأن هناك فرضيات مزعومة قيد الدراسة، ومناطق رمادية قد تغير الوضعية. تمثّلت إحدى استراتيجيات التواصل الرئيسية في تقديم الجزائر كمراقب. وهي محاولة للتغطية على اختراقات الدبلوماسية المغربية.
إلا أن ما جرى في مدريد، من خلال اجتماعٍ عقد برعاية أمريكية ضم الأطراف الأربعة المعنية -المغرب والجزائر وموريتانيا وجبهة البوليساريو- فند هذه الاستراتيجية الإعلامية المضلّلة، المعدة عمدا لتجنّب الإحباط والاستفسارات. وبغض النظر عن أجندة هذا الاجتماع، فقد حضرت فيه الجزائر كطرف معني ملزم بالقيام بدوره في تنفيذ قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2797.
ومرة أخرى، حاول الخطاب الرسمي الجزائري التقليل من شأن الحدث، على الرغم من أن وسائل الإعلام تشير إلى المغرب كثيرا. أما الأصوات القليلة التي اضطرت للتعليق على هذا الحدث غير المسبوق، فقد اختارت أن تدور وتلف حول وهم دور «المراقب» للبلاد. لكن هذا، من الناحية السياسية والقانونية، يغير على أي حال حجم المسؤوليات والالتزامات.
مع اجتماع مدريد، تلقى النظام الجزائري صدمة حقيقية أعادته إلى الواقع. فبعد أن كان غارقا في الأوهام والهواجس المرضية، استيقظ فجأة من غفوته الطويلة في عالمه الموازي. فالنظام الجزائري يوجد اليوم في حيص بيص. فهو لم يعد مجبرا على الخضوع للإرادة الدولية أو مواجهة غضبها فحسب، بل إنه مجبر أيضا على تقديم الحساب لشعبه. فهو مضطر اليوم لخوض حملة تبريرية هائلة أمام رأي عام ويشرح له في نهاية المطاف ثمن أخطائه وأوهامه. ولا شك أن الأسئلة في هذا المجال لا تعد ولا تحصى.
كيف يمكنه تبرير كل تلك «الأموال الطائلة» التي أنفقها على جبهة البوليساريو، على حد تعبير الرئيس عبد المجيد تبون، الذي انخرط بنفسه في هذه المغامرة الفاشلة؟ كيف يمكنه تفسير أن البلاد قد دخلت في خصومة مع الجميع تقريبا، ضاربة بعرض الحائط المصالح الحيوية للجزائريين؟ كيف يمكنه الاعتراف بأن كل هذا الوقت والجهد والموارد قد أُهدرت وهو يحارب طواحين الهواء؟
لحسن حظ النظام، لن يواجه مظاهرات شعبية تدافع عن وهم الانفصال. والسبب بسيط: فقضية البوليساريو، رغم تكلفتها السياسية والمالية، لا تهم الجزائريين. وحتى إذا كان هناك تأثير للدعاية الرسمية، فلن يخرج أحد إلى الشوارع للدفاع عن الجبهة الانفصالية أو التشكيك بشأن حقوق المغرب في صحرائه.
ومن جانب آخر، سيتعين على النظام مواجهة تحديات جسيمة. يتعلق الأمر بتفكيك المخيمات التي غذّى فيها هواجسه لخمسة عقود، ونزع سلاح ميليشيات البوليساريو التي زودها بالأسلحة والأموال، والتي تهدد بتوجيه هذه الترسانة ضده. لكن هناك نقطة أخرى أكثر أهمية: إقناع الجيش بضرورة طي ملف مهم من أجل الحفاظ على التوتر الإقليمي، وتبرير الميزانيات الفلكية للطغمة العسكرية، وعمليات التهريب التي تدر أرباحا مذهلة.
كما لو كان الأمر بعد ليلة ماجنة، يستيقظ النظام من سباته وهو مصاب بصداع شديد. من أجل العودة إلى حالته الطبيعية، يتعين عليه اتخاذ قرارات ستؤدي حتما إلى تغييره من الداخل. النظام قبل اجتماع مدريد لن يشبه النظام بعده، كيفما كان توقيت ودينامية هذا التحول.

